فهرس الكتاب
بعد أن شبَّ قليلًا، قرر أن يسافر باحثًا عن الأرض، فعمل صيادًا في المتوسط ثم سافر على ظهر احد المراكب التجارية إلى المغرب، وفي المغرب انضم إلى المجاهدين وقاتل معهم ضد الفرنسيين، ثم اشتغل فلاحًا في حقول الزيتون، وكانت السلطات الفرنسية تطارده، فهرب إلى مصر. واختبأ طويلًا في الصعيد المصري حيث أنشأ مع أحد الدلتويين محلًا صغيرًا يصنعان فيه العربات الخشبية ثم تحول ليصير صيادًا، وسافر إلى الاسكندرية فمكث فيها أعوامًا، كان خلال هذه الفترة الطويلة لم يلتق بأحد ممن يعرفهم، وبينما هو يمشي متجهًا إلى منزله في إحدى الحارات القديمة في الاسكندرية، شاهد أخو زهيّة حاملًا عصاه المباركة يشير إليه ليتبعه، تبعه عمر حتى وصلا إلى سفينة كانت ترسو على الشاطئ.
قال أخو زهيّة:
ـ يا بنيّ، ألفت أرضًا غير أرضك، وابتعدت بقلبك عن ربك، فاركب سفينة آبائك، واجعل الماء الذي أحضرك يعيدك، فما ترى الشمس بعد شهر إلا في البوكمال.
صعد عمر إلى السفينة، فوجد فيها ملاحين ضخامًا يشيرون إلى دفة السفينة، أمسك الدفة وأمرهم أن يرفعوا الأشرعة كي تبتدئ الرحلة.
نقلهم بحر إلى بحر، وتعددت الشموس فوق رؤوسهم، يحدوهم حلم الوصول، فلم يتوقفوا حتى ارتطم مركبهم بالضفة الطينية الرخوة.. اختفى ملاحو عمر فجأة، وحين نظر إلى الضفة كان أخو زهيّة واقفًا عليها يلوح بيديه.
أحزنه خبر وفاة جده الحاج زهدي وأمه، لكنه تمالك نفسه فلم يبك ولم يحزن، وإنما أفرح الناس بزواجه من ابنة خاله صبرية، ثم صار يعمل بتجارة السمسم والتمور، فازداد ماله وتغير حاله، وسافر مع زوجته إلى مكة، فأديا مناسك الحج، وأقاما بجوار النبي عامًا كاملًا، ثم عادا إلى البوكمال يحملان ابنتهما الأولى التي أسمياها مكة.
بعد أن استقرا وعاد الحاج عمر إلى عمله وتجارته، أنجبت الحاجة صبرية غلامًا فمات وغلامًا آخر فمات أيضًا أصابهما الحزن هو وزوجته لأنهما تمنيا على ربهما أن يرزقهما بولد يحمل اسم عائلة العاني، وحين أخبر الحاج عمر الشيخ بأمنيته، ضحك أخو زهيّة وأعطى لعمر عشبة قال له: انقعها بالماء يومين، ثم اسقها لزوجتك، وسيأتيك ماتريد وحدث ماقاله الشيخ، فحملت صبرية وانجبت طفلها المنتظر أسماه أبوه عاصمًا، وما أن تجاوز أعوامه الأربعة الأولى حتى تولاه أخو زهيّة فعلمه علوم دينه ودنياه، ورافقه إلى أن حصل على البكالوريا، واتجه بعدها ليعمل في التجارة مع أبيه، فازدادت أموال العاني وصاروا مصدر حسد.