فهرس الكتاب
ولكنهم ظلوا محافظين على حب الناس لهم، يعطون للفقراء كي يبارك الله فيما يكسبونه.
قال الناس عن عاصم الكثير، قالوا بأنه مجنون، ويحب العزلة، ويكره السفر، وكلما حاول أخو زهيّة أن يدفعه ليسافر كان يغضب ويعتبر هذا تدخلًا في شؤونه.
زوّجه أبوه نورية بنت الحاج يحيى العاني. فأحبها لكنها لم تنجب له ولدا، يعيد البهجة إلى قلبه، وبعد مضي عامين على زواجه قرر السفر باحثًا عن رزقه في الأرض، فسافر إلى الشام، وركب الطائرة إلى قبرص، فعمل هناك بحارًا، وتاجر سمك، وانضم إلى إحدى المنظمات الفلسطينية، فسافر مع مقاتليها إلى لبنان وتدرب على السلاح، وحاول مع إحدى المجموعات التوغل إلى فلسطين لكنهم فشلوا.
عاد عاصم إلى قبرص، وواصل نشاطه التجاري، واشتغل حتى ازدادت ثروته، وكان قلبه يحثه دائمًا على الرجوع إلى مدينته لكنه ظل مترددًا إلى أن أيقظه أخو زهيّة من نومه مرة وطلب منه الرجوع، فركب الطائرة إلى دمشق ثم عاد إلى البوكمال. فوصل إليها بعد منتصف الليل.
ظل عاصم يردد في سره دائمًا: آه لو انني عشت الحياة التي اشتهيها، آه لو أنهم لم يلاحقوني، ويضعوا تصرفاتي في قوالبهم.
الحركة الثالثة:
خرج زاعم من اللجة تقذف به صور أسلافه إلى عالم يتشرد سكانه في غابات لامخارج لها، وضع رأسه على ركبة أخو زهيّة ونام، تتراقص الأشجار محتفية به، وتغني الأنهار له. كان أخو زهيّة يردد:
ـ طقوس ما ألفها بشر، يداك اللتان تقبضان على جمرة المعرفة تضيئان عالم الظلام، وتنيران كهوف النفس البشرية البائسة، حمل أخو زهيّة زاعمًا على كتفيه، وسار تنزل من عيني الغلام دموع لونها طيني، سار أخو زهيّة تحمله طريق رخوة إلى بيت العاني، وما أن وصل إلى هناك حتى صار يؤذن، فاندفع حشد من الناس بلاعيون وصاروا يدورون حولهما.
استيقظ الغلام وأطلق صرخة اندفع لها عاصم الذي كان نائمًا. أمسك عاصم كف ابنه ثم حمله وأراد أن يدخل، لكن أخو زهيّة أوقفه قائلًا:
ـ يابني، ابنك، ابنك، أحرق له البخور كل ليلة، واجعل بينك وبينه خيطًا يصله بك، ويصلك به، وأما أنت فقد انصرفت عن بارئك إلى سواه، فأضعت ماصنعته لك، تب إلى الباري فما من طريق خيرة غير طريقه.
بكى عاصم بكاءً مرًا تلك الليلة، فأيقظ الجميع صوت نحيبه. صار يصل الليل مع النهار يبكي ويصلي لربه، وهو يرى ملاكًا لايبتسم يحوّم حول سريره.