فهرس الكتاب

الصفحة 722 من 1574

وذات صباح توقف صوت نحيبه، واخترقته أشعة الشمس، فصار شفافًا تحركه ريح غريبة، تداعب أعضاءه وأطرافه، سكنته النشوة، فلم يعد يتكلم بل ان إنشاده ملأ المكان، وصار الناس ليلًا يسمعون صوتًا جميلًا يتردد في البساتين، فهربت السعلوية التي كانت هناك تطارد الصغار في أحلامهم وحلّ محلها صوت عاصم العاني يغني بصوت رقيق، وقيل للصغار:

ـ ناموا ملء جفونكم، لم يعد ثمة سعلوية في البساتين، إن الملائكة تسكنها الآن ترعى نخيلنا الطاهر وتحرس الغرب. كان الملاك الذي لايبتسم يحمل سفوديه ويقف قبالة عاصم، لم يره أحد سواه، أشعل الملاك ناره وصار يدور حولها أيامًا ثم أجلس عاصمًا بين يديه وأشار إلى النار، فاندفعت ألسنتها وارتفع صوت تآكلها، أمسك الملاك عاصمًا من يده وقال له:

ـ جئتك حاملًا بشارة خلاصك، وجهك سيبهت لونه، وجسدك المتوقد نارًا سيخبو، ويظل صوتك مقيمًا، فأحملك معي كل ساعة لتسمع صوتك، وأكتبك، والآن، سأفتت جزيئات روحك النقية، وأحملها إلى حيث تجتمع الأرواح المحبة لبارئها.

شهق عاصم شهقة قوية، وأفرغ هواء صدره ثم تصلب جسده وانطلقت روحه طائرة، تحوم في فضاء الغرفة، وكان الملاك الذي لايبتسم يطاردها بسفوديه، حتى انبعثت صرخة قوية أوقف الروح في مدارها، وعمّ تشنج غريب، جعل الجسد يطلب روحه، ولكن الملاك الذي لايبتسم كان قد حمل الروح وطار بها، أنارت شمس مشعة الغرفة، واصفرّ لون شجرة النارنج، وصارت رائحتها أشبه برائحة الطحالب على وجوه السواقي.

حين دخلت الحاجة صبرية، وجدت عاصمًا متجمدًا، هزته هزة عنيفة، فارتسمت على وجهه ابتسامة وهمد.

الحركة الرابعة:

اتشح البيت بالسواد، نائحات جئن من كل مكان، كان زاعم يقف في غرفته يطل من الكوّة الصغيرة على النائحات.

وجوههن تحكي تاريخ فجيعة متصلًا لاينقطع.

دخلت صبيحة الخبازة، وصاحت (يبو) ، فأجبنها النائحات وانهمرت دموعهن مدرارًا، قالت عائشة زوجة اسماعيل الكهوجي وهي تلطم:

لو صحت عليهم عليّ صوتج حيل

هذول أهل الكرام الساريين بليل.

كانت مكة العمة العانس تضرب رأسها بالجدار، وتدق على ركبتيها، أما نورية فإن دموعها جفت في مقلتيها، ولم يعد يخرج من حنجرتها سوى صوت أنين مرّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت