فهرس الكتاب

الصفحة 723 من 1574

عينا زاعم تطوفان على النسوة، تقطر منها دموع حارة سوداء، ويداه تمسكان حديد الكوة خشية السقوط، كانت الحاجة صبرية تجلس بين النائحات، بين أصابعها تتلاحق حبات المسبحة، صاحت نائحة (ياويلي) فارتفعت الأصوات ترد عليها، وظلت الأكف تلطم الوجوه.

في زاوية الغرفة كانت ناجية تولول وتبكي، وناجية تزور المعادات، فتبكي الميتين كأنهم أهلها. النسوة يتعلمن منها التعديد، وإلى جانب هذا فإنها تقرأ الموالد. وتكتب الحجب، صاحت ناجية:

شلّي بالديار من بعد أهلها

لحطها بيد دلاّل وأبيعا

ردت عليها صبيحة الخبازة، وهي تنتف خصلة من شعرها المحنى:

لو صحتي عليهم عليّ صوتج حيل

هذول أهل الغنايم الساريين بليل.

كانت أذناه مصغيتين، أصوات تشق حاجز البكاء المخنوق، وتفتح الثغرات في النفوس الملتهبة حزنًا فيصير النواح حاضرًا يوشيه هدوء الحاجة صبرية وتماسكها.

وشجرة النارنج تهتز في الحوش فوق الرؤوس المنتوفة، والوجوه التي فارقها النوم وسكن البكاء عيونها.

هامش الفصل الرابع:

1ـ السعلوية: السعلاة، وحش خرافي

2ـ الغَرَب: شجر فراتي

3ـ يبو: ياويلتاه.

4ـ المعادة: مجلس عزاء النساء

5ـ التعديد: ما تقوله النساء أثناء البكاء على الموتى.

الفصل الخامس

الحركة الأولى:

استمر الحزن أربعين يومًا بنهاراتها ولياليها، كان زاعم خلالها حبيس غرفته، رهين الصراخ والسواد.

في اليوم الأربعين، أنار الغرفة نور شديد بعث فيها دفئًا، وارتفعت قامة أخو زهيّة يبتسم ابتسامته المطمئنة، عانقه زاعم واسند رأسه إلى صدره وصار يبكي، قال أخو زهيّة:

ـ وما أدرك أباك غير حق، أدرك الجميع من قبله، إلاّ من خصهم الله بالخلود. فلاتحزن وابحث عن روحك الخائفة المرتعشة. علمتك كيف تقرأ عالمك، فتعلم كيف تكتبه.

ثم غادر أخو زهيّة دون أن يسمع كلمة من زاعم، الذي شعر بالطمأنينة وارتاحت نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت