فهرس الكتاب
نظر من الكوة إلى السماء، كانت النجوم تخط خطوطها الضوئية البديعة، وتتقاطر حاملة أسرارها، عربات تخبئ دهشة في عقل المراقب الطفل، الذي بدأ جسده يقشعر وطغت عليه حالة من اللاوعي، فرأى أجداده يصعدون إلى تلك العربات ويقذفون التنين الممتد فوق النجوم بالماء، فيهطل المطر الناري على الأرض ويحيل الحجارة نجومًا تتصاعد ضمن مجرة تمتد حتى تشمل الأرض بأشجارها وبيوتها وجبالها لكن البحور التي كانت تظهر فجأة وتختفي بين النجوم، جعلت الغلام يقفز مانحًا يديه حرية التقاط النجمات الصغيرات ورميها مباشرة إلى الماء حصى يصنع دوائر تتسع وتتسع ثم تختفي...
حين أخبر أخو زهيّة بما رأى، قال له:
ـ رجّ عقلك، الفضاء يتسع لك، وتحيط الملائكة بأغصان معرفتك رجّ عقلك، خلصه من جدب الأرض وجفافها، حينها ستصل إلى رحمته، دون وسيط بينه وبينك.
الحركة الثانية:
في المدرسة ازداد التصاق زاعم بمقعده، وضاقت المسافة بينه وبين الكلمة التي صار يلتهمها، كان يروي لأقرانه حكاياه، فيقودهم معه إلى عوالمه، ويغرقهم في بحور لم يألفوها، ولم يعتادوا سماع أصوات حيتانها.
تجمع حوله أساتذته، واندفعوا إليه، يحرضهم كلامه للولوج أكثر فأكثر إلى قصصه، واكتشاف حيوات سابقة، حيوات أشخاص جابوا الأرض، واجتازوا اللجج المخيفة، غير هيابين أو مرتعدين. لم يكن يتعلم بل كانوا جميعًا يتعلمون منه، صامتين يصغون إلى أحاديثه التي ماحدثهم آباؤهم بمثلها.
كان يعود من مدرسته كل يوم، ويسير إلى غرفة أخو زهيّة تدفعه نفسه دفعًا فلا يستطيع التوقف.
عمّ الخير البوكمال، فكثرت أمطارها، وقل عجاجها وقيظها صارت نخلاتها تبدو للناظر من بعيد مآذن تتلى فيها صلوات الشكر لله، واحتوت المدينة الوافدين إليها فتغيّرت معالمها، وازداد عدد بيوتها، وانتشرت أخبار زاعم في كل المدينة، وصار الناس يتناقلون قصصه الغريبة التي يرويها، فيضيفون عليها ماتيسر لهم، يقولون مثلًا: كان زاعم جالسًا مع أخو زهيّة، فأمطرتهم السماء، وبلل المطر رأسيهما، فبقيا أيامًا طويلة لايشربان الماء ولايأكلان الزاد، لأن بركة الله تحيطهما.
كان زاعم مولعًا بصيد السمك، يحمل دلوه وصنارته، ويسير إلى النهر تحركه شهوته لمراقبة الماء المنساب منذ ملايين السنين، والاستماع إلى هذا الخرير الأبدي.
كان يجلس على سفينة آبائه، ويمد خيط سنارته إلى الماء فلايعود إلى البيت إلا وقد ملأ دلوه بالأسماك.