فهرس الكتاب

الصفحة 725 من 1574

في إحدى المساءات جاءه أخو زهيّة وأخبره بأنه مغادر ولن يعود إلا بعد سنة، فانفصل زاعم عن شيخه وتلبسه عقل غريب. لقد كان جلوسه مع الشيخ يجعل حضور العقل أمرًا استثنائيًا بل إن الشيخ كان يطلب منه قبل كل شيء أن يضيع ولايفكر بشيء، وحينما يبدأ الشيخ بالنقر على الدف كان يهز كيانات مختلطة يأتي بعالم أشد شفافية، إيقاعه ينتظم مع استمرار النقر على الدف والتنشيد، وجهه الأحمر الممتلئ يزداد انسيابية وتصير ملامحه هادئة جدًا، يذهب الغلام معه، يغيبه تمامًا، فلا يستطيع الرجوع، إلا منطفئًا، وكان الشيخ بعد هذا يحمل جرته التي لاينفد ماؤها، ويسقي الغلام حتى يرتوي.

أما العودة إلى البيت فكانت أشد إيلامًا للبدن من مفارقةالروح لأنها كانت تعني الانفصال، ولو مؤقتًا، عن كوخ تتراقص فيه ألوان قوس قزح محتفية بجلال الخالق، باعثة الدفء والرعشة في الخلايا الملتصقة بأرض مهما امتّد بقاؤها، فإن الفناء مصيرها.

فكيف يبعده عنه عامًا؟ كيف يخرجه منه، وينثره كأنهما ليسا كيانًا واحدًا؟ ظل زاعم واجمًا بلا شيخه، مصابًا بالذهول، هي حالة تمزق تصيب عقلًا مازال معلقًا بين بين، فلماذا يتركه؟

ولماذا يريد أن يجعله يصارع أسئلته وحيدًا؟

الحركة الثالثة:

اختفى الشيخ من البوكمال تمامًا، ولم يعد يسمع صوت عصاه تدق الأرض أثناء مروره، وقد حاول بعض الناس زيارته لكنهم لم يستطيعوا الدخول إلى غرفته لأن هواء غريبًا أغلق بابها فجعلها محصنة لايدخلها أحد ولايرى مابداخلها أحد.

صار زاعم أشد عزلة، وانصرف عن كل شيء إلى كتب كانت مكدسة في البيت يقرؤها، ويراقب النجوم في الليالي، وكان يغادر البيت ساعات، ولايخبر أحدًا بمكانه.

مرت سنة ثقيلة على المدينة، تمنى خلالها الناس أن يأتي أخو زهيّة، لحظات فيرى ما يحدث في غيابه: غبار ثقيل على الأسطحة، ورياح عاتية تباغت الناس في لياليهم، شتاء جاف بارد أحرق الأشجار فانقطعت ثمارها، وجاع الناس. كانت هذه سنة الجوع الثانية، ويذكر بعض الناس أن آباءهم حدثوهم أن سنة الجوع الأولى جاءت حين كان أخو زهيّة غائبًا عن المدينة، أيام راحل العاني رحمه الله، وقال بعضهم: حين عاد الشيخ، أرسل راحلًا إلى الآستانة ليحضر الطعام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت