فهرس الكتاب
في ظهيرة أحد أيام أيلول، نهض زاعم فزعًا من قيلولته، كان أخو زهيّة يحيط به ويقبله، سرى الدفء بين الشيخ وبين الغلام وعلا صوتهما يقرآن معًا آية الكرسي، لم تكن نافذة الغرفة مفتوحة، لكن أخو زهيّة دخل مخترقًا الجدران كأنه الطيف، وكأنه الحلم العذب المنتظر بفارغ الصبر.
بدأت الغيوم تملأ فضاء الغرفة، تحيط بكل غيمة هالة من ضوء غريبة خاطفة للبصر، تمنح الناظر إليها شعورًا بالطمأنينة، انتشرت الفرحة في قلبي المتعانقين، ومرت لحظات كأنها انسياب جدول صاف، تحول زاعم إلى حالة من التساؤلات القلقة، تغطي حجم حنينه لزائره الطيفي المنتظر ذي البركات والشفاعات، معلم المعرفة:
ـ أين كنت؟، جعلتني أتثاءب باسمك، وأقضي الليالي مستحضرًا كلماتك. أين كنت؟ مامرت غمامة في سمائي، إلاّ رأيتك في بياضها، فرجوتها أن تمطر، فتمنحك لي، ولو قطرة، قطرة واحدة، للحظة واحدة، كانت كافية لتجعلني أعود فأحبو على الأرض، باحثًا بين الحشائش، وبين ذرات الرمل عن صوتك الدافئ. بهت الشيخ، وهز الغلام هزًا عنيفًا، كان الغلام يرتجف، وكانت يداه قد تحولتا إلى قبضتين جبارتين تمسكان يدي أخو زهيّة الهزيلتين، تردد صدى بكائهما في الغرفة الملتهبة قيظًا، لكن الشيخ تمالك نفسه، وكفكف دموعه ثم قال:
ـ يابنيّ، قد أنطقك الله، فيسّر لك لغة شيوخ تقاة وعلماء، فما أنت الآن سوى آية من الكلمات الربانية، فامض في معرفتك، وابحث عن خلاصك من طمي الأرض لتصل إلى عمق المعرفة الإلهية في جوف المحيطات العظيمة، وأهرب من شمس تحرق بضوئها صفاء سريرتك وجهل ذاتك، كن مع الله يكن الله معك.
وأما أنا فكنت عنده يهدهدني جواره، وتطفئ نيرانَ قلبي رحمته، قد شابت روحي بابتعادي عنه، وقد غفوت في أعماق يمكث فيها أسلاف لي يبحثون عني، واستأذنتهم لأجلك، وها أنذا عدت إلى البيت.
التصق جسداهما، وفاضت عليهما أنسام عليلة، وتلاحقت صور الذين راحوا، يشيرون إلى الفتى العاني، وجوههم الباسمة تثيره، تجعله يلتصق أكثر فأكثر بصدر الشيخ الذي كان يسلم على صورهم، ويتلو آيات من القرآن، صار يتعرق وهو يمسح جبين زاعم، ثم انطلق صوته يردد مرتجفًا:
ـ أبرأ جسدي، جل جلاله، وعافاني، نفض عني هموم عمر عشته بين جسوم لاتشعر، وجدتك ياضالتي، فارتحت من ضياعي، ووجدتني بعد أن كنت مضيعًا. اختارك الله، واختاروك، فاخترتك كي تكمل مابدأته، هذه الأرض، غايتي، وما جئت إلا لأخلصها، وما جئت إلا لتفعل الفعل نفسه.