فهرس الكتاب
كان الليل في الهزيع الأول، لكن الشتاء يطرق الأبواب بقوة، والريح تصفع النوافذ بقسوة، فتطفئ ذبالات المصابيح بهمجيّة.
قال علي بك، وهو يودّع العروسين:
ـ بالرّفاء والبنين إن شاء الله.
قال أبو ياسين لهما:
ـ أتمنى أن يكون عام زواجكما عام تحرير إن شاء الله. أما المختار فابتسم ابتسامة ماكرة قائلًا:
ـ أتمنى لكما شتاءً دافئًا، وحبًا دائمًا. وتصبحون على خير.
الفرات يعزف مع الريح سيمفونية الخلود, والأشجار بدت كفزّاعات تتمايل يمنة ويسرة, تُطلق حفيفًا يُنبئ بأن عاصفةً على وشك الوقوع.
قال علي بك متنهدًّا:
اللهم اجعل عامنَا هذا عام خير، واجعل كيد عدونّا في نحره.. اللهمّ انصرنا على أعدائنا، ولا تذلّ عِبادك يا أرحم الراحمين.. اللهمّ أنت أعلم بما في قلوبنا وهواجس ضمائرنا، وأننا لا نبغي إلاّ رضاك وعلوّ رايتك، فوفقنّا في كلّ خطوة نخطوها، وفي كلّّ فعل يقوم به المناضلون.
كان رفاقه الذين يسيرون خلفه يرددون كلّّ آونةٍ: آمين يا رب العالمين. وقبل أن يفترقوا قال أبو ياسين:
ـ متى تتوقّع وصولهم يا أبا راغب؟
ـ لا تنسَ يا أبا ياسين أن لديهم آليات وخيالة , وقد يكونون في الرقّة غدًا، فإذا ما استطاعوا إخضاعها توجّهوا إلى دير الزور خلال أيام قليلة.
قال أبو عدنان
ـ سأفكر بخطة تصفعهم، وربما تردهم على أعقابهم.
ضحك علي بك وقال
ـ غدًا في الصباح الباكر سنرى خطتك يا مختار.
لم يستطيع علي بك النوم, كان يفكر بما سيفعله صباح الغد, وبما يجب فعله مع الثوار لمواجهة العدو المدجّج بالسلاح، بالشهداء الذين يضحون بدمائهم من أجل الحرية والكرامة.
أثقل التفكير رأسه الصغير, فقام وتوضّأ، وصلّى لله ركعتين فأطال سجوده ودعاءه، ثم تناول لقيمات، وارتدى لباسه، وسار محاذاة الشاطئ رغم البرد ورداءة الجو.
لفت نظره عدد من الطلبة يتحلّقون حول مدير المكتب السلطاني، يتناقشون في أمر ما، لم يستطيع أن يتبينّه إلا حال وصوله إليهم.
تقدّم الأستاذ عبد الله مدير المكتب السلطاني نحو علي بك حينما رآه، وعانقه، فتبسّم علي بك قائلًا:
ـ هؤلاء أوائل الطلبة أم من المشاغبين؟
ـإنهم يجمعون الصفتين.
ـ ماذا كانوا يريدون منك؟
ـ كعادتهم.. التظاهر احتجاجًا على نيّة فرنسا احتلال دير الزور، وهذا من حقّهم لكنني قلت لهم: لم تأت فرنسا كي نتظاهر، فأرجو أن تتمهّلوا، ووقتذاك سأشارككم أنا والهيئة التدريسية تظاهركم، فاقتنعوا وانصرفوا.