فهرس الكتاب
لم يكن يؤمن أبدًا بالخرافات والمحتالين، لكنه سيتبع زاعم العاني حتى النهاية....
ارتبك تنفسه، وتردد قليلًا، أراد أن يعود إلى بيت زاعم ويحطم رأسه، لكنه رفع يديه إلى الأعلى وتابع طريقه وهو يردد في سره: على كل حال لن أخسر شيئًا، لن أخسر.
هامش الفصل السادس:
1ـ حياكة البسط: حياكة السجاد المحلي، المصنوع من قطع القماش.
2ـ الجومة: نول الحياكة، وهو عبارة عن حفرة في الأرض لوضع القدمين، يثبت فوقها النول الخشبي المتحرك.
النكرة: حي قديم من أحياء البوكمال.
الفصل السابع
الحركة الأولى:
اعتاد زاعم في الآونة الأخيرة الخروج إلى الشارع، والاجتماع بالناس، وكان كل يوم يزداد قربًا من بعضهم، وبعدًا عن بعضهم، حاربه الكثيرون لأن الكلام الذي يقوله عن فسادهم وضياعهم كان يثيرهم، وصدق الكثيرون ما قاله فرددوه، وصاروا أصحابه المقربين، وكان ناصر الحايج قد ابتدأ يأخذ مكانه على أنه الصديق الأقرب لزاعم.
زارا معًا غرفة أخو زهيّة، وصارا يعملان في التجارة التي تركها آل العاني لابنهم، وقد لاحظ الناس أن ناصرًا لم يكن يفارق زاعمًا إطلاقًا، بعد أن كان يحاربه ويحارب أخو زهيّة.
كان أصحاب زاعم حوله يحيطون به وكأنهم جنوده، يقفون إلى جانبه أثناء الصلاة، ثم يتحلقون تحت شجرة التين القديمة يستمعون إليه يحدثهم عن ليلته الحافلة التي تجول خلالها وسافر إلى مصر وتونس ولبنان، لم يشكوا بكلامه، وكان لديهم إحساس قوي بأنه يقول الصدق، وكان أخو زهيّة يظهر أمامهم فجأة فيركضون إليه ويقبلون يديه فيقودهم إلى غرفته حيث يعلمهم علوم السنين، وأخبار الناس السابقين.
جاء رمضان فاعتكف زاعم وناصر وتمام الشريف في المسجد، فلم يعد يراهم أحد، حتى الذين يذهبون إلى الجامع أو يقيمون فيه، فظن الجميع أن أحد أبواب غرف جامع عمر المظلمة، التي تفوح منها روائح الرطوبة صيفًا، شتاء، قد أغلق عليهم، ولم يعد بإمكانهم الخروج.
وفي الليلة العشرين من الشهر المبارك، ارتفعت ثلاث غمامات سوداء وأمطرت فوق مئذنة الجامع، فانبعث الثلاثة متشكلين من قطراتها، وهبطوا إلى فناء الجامع يحمل كل واحد منهم في يده قرآنًا، وبين شفتيه حبة تمر يمصها.
انتشر الهرج والمرج بين المصلين، وعلت أصوات التكبير، والشهادات، قال الحاج قدوري:
ـ سبحانك ياربي، ولا إله إلا أنت، أرسلتهم إلينا مع الغيم وقد أصابنا اليأس من عودتهم.