فهرس الكتاب
أعمل الثلاثة أيديهم في الأرض، وصاروا يحفرونها حتى تدفق ماء من الحفرة الكبيرة التي لم يستغرق حفرها سوى دقائق معدودات.
تقدم أخو زهيّة منهم، فصلى على النبي ومسح وجوههم ثم أشار إليهم فتبعوه، وخرجوا من الجامع تظللهم غمامة سوداء كبيرة ويرافق سيرهم الهادئ الواثق صوت مقرئ يقرأ سورة النور استمر سيرهم أيامًا لم يتوقفوا خلالها إلاّ للصلاة، وظلت أصواتهم تسمع في الجامع تدعو الناس إلى الخروج والنهوض من الرقاد الذي طال.
رأى الثلاثة بأعينهم أخو زهيّة يسير على الماء، ويطير في الجو كأنه أحد الطيور، لم يكونوا مندهشين مما يرونه، لكنهم ظلوا صامتين يجولون بأبصارهم يراقبون حركات الشيخ، وأفعاله، ويصغون إلى أية كلمة يقولها لهم.
في صبيحة عيد الفطر، أثناء صلاة العيد، كانوا يقفون بين الناس خلف امام الجامع الكبير الحاج صادق الذي خطب في الناس بعد انتهاء الصلاة، وحدثهم أن أخيرًا وفيرًا سوف يصيب مدينتهم، إذا طردوا شرورهم، وأحقادهم وتبعوا طريق الله.
قال زاعم للناس حين انتهى الحاج صادق من خطبته:
ـ أيها الناس، أبلغني الشيخ أننا هالكون إن لم نصلح حالنا، ونرجع إلى خالقنا.
هتف الجميع: لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله.
وساروا خلف زاعم ورفيقيه، خرجوا إلى الحسيان، وسجدوا لله طويلًا حتى ملأ التراب عيونهم، كان رائد الخلف ينشد والرؤوس تهتز وتترنح الأجساد كأن أصحابها سكارى، تعالت أصواتهم يكبرون حين انبعثت من خلف جبل الحسيان، إمرأة، ملاك بجناحين نورانيين، وتاج كأنه تاج إحدى الملكات الأسطوريات، قد تعرت تمامًا من ثيابها، وانتصب نهداها الرمانتان الجميلتان، وأنساب فخذاها نهرين رقيقين، كانت شفافة ترى التلال البعيدة من خلالها.
ذهل زاعم لرؤية جسدها الأبيض المتلألئ، وتدلى لسانه من فمه أحس بجسده تشعله نار قاتلة، ونسي ماكان يردده من كلمات صار يركض إلى الجسد الشفاف ويحاول بلوغه، لكنه كلما اقترب، كان الجسد يبتعد عنه.
تبعه الكثيرون وكان من بينهم صديقاه ناصر وتمام، ظلوا يركضون ساعات، والجسد ينسحب من أمامهم شيئًا فشيئًا.