فهرس الكتاب

الصفحة 752 من 1574

لقد قالت لي ذات يوم.. سأريح قصيدتك المتعبة بين دفاتري ولتكن لي نعم الذكرى، ويوم أعطيتها القصيدة توهمت أن أشتريها بلغة السماء وعاطفة الأعالي ولكنها ظلت تقول لي أنت أجمل ذكرى وستظل كذلك إلى يوم البعث، وأنا الحاضر أبدًا في زوايا عينيها.. وضعتني تمثالًا رائعًا في متحف ذكرياتها الجميلة.

في اليوم الأول من عام مجهول في ساعة حزينة ومجهولة هي الأخرى، عرفتها وحفظت في خشوع الظلام اسمها، ودخلت معبد عينيها أصليّ.

في اليوم الثاني نهضتُ مع الشمس، ثم التقينا في منتصف الطريق، كانت قادمة لتعمل وكنت ذاهبًا أبحثُ عنها.. أكان مفروضًا أن تأخذني في حضنها؟ هل كنت أجرؤ على اختطافها مثلما فعل باريس مع هيلين، أم تراني خليقًا بأن أموت تحت شرفتها مثلما مات ماهر البدوي تحت شرفة الأميرة فينوس، لكنها سلّمت عليَّ سلام الأغراب ثم طفقت تعمل لا مبالية بما يحدث في الكون.

في اليوم الثالث كانت منحنية في رداء أحمر شدَّته إلى وسطها بعنف فتأرجح جسدٌ إلى أسفل واشرأب جسدٌ إلى أعلى، وكانت تسوي مساكب القرنفل والياسمين والزنبق، ويوم اقتربتُ منها كنتُ أهذي وكانت تجهل ما أقول وكنتُ أجهل، نظراتها إليّ من تحت اللثام. لا أعرف من خارطة وجهها سوى عينيها.. العينان فقط هما اللتان أعرفهما فرأسها كان معصوبًا بقبعة عمالية ووجهها كان يموت من تحت اللثام، لكن عينيها كانتا خنجرًا مغروزًا في كبدي ومقصلة تدق عنقي ألف مرة كل يوم، كانت تعمل دائمًا بانشراح غريب وأحيانًا أسمعها تغني بصوت فيه أنوثة متحفظة وشجن كثير وكنت مسحورًا أترك عملي وأمشي باتجاهها مشي نائم يتبع في موهن الليل قبيل من الجن، وكنت أمر قربها مرور رجل لا يعرف كيف يستميل إليه النساء، لكنني كنتُ أتخبط في الحديث خبط عشواء، وكنت أهذي بأشعار أحفظها وأخرى أرتجلها في حينها وكانت تحس بأنفاسي لاهبةً تسوط جسدها، لكنها كانت حبيسة انفعالات لا أعرفها، وكنا عالمين مختلفين يفصل بينهما خلاء أبديًا ليس له أول ولا آخر.

كنت لا آراها إلا منحنية على مساكب الورد، وعندما تنتصب قامتها لحظة.. كنت ألمح في عينيها فرحًا يولد ويموت في ثانية.

وأنا الآتي من كوكب الذكرى، من تلك المدن النجمية البعيدة التي تدور حول الشمس.. فارقتها في اليوم الرابع وحملت حقيبتي الحمراء الحزينة ذات ليلة تنوح في أرجائها الريح وسبحت في نهر الطريق عائدًا أو ذاهبًا لا أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت