فهرس الكتاب

الصفحة 753 من 1574

حفظتُ في اليوم الأول خارطة جسدها وكانت ترتدي تنورة مخططة طوليًا بألوان كثيرة أذكر من بينها خطوطًا زرقاء وصفراء فاقع لونها.

في اليوم الثاني جاءت صباحًا في كوكبة من البنات، لكنها كانت ترتدي فستانًا أسود وكانت تمشي على استحياء.

اليوم الثالث كان الفستان الأسود نفسه، وكان باليًا وجميلًا حتى الفجيعة والموت، وفي اليوم الرابع كان بلون البنفسج وكان زلقًا عندما تمشي أو تنحني أو تنتصب، رأيتها فيه وتخيلت مابداخله وبكيت في تلك الليلة كمثل الذي يبكي لأول مرة واستيقظتْ في داخلي ينابيعُ الحزن والنشيج وتأوَّه الليلُ والجبل وحقل القرنفل والزنابق والخراف التي أطعمها الشعير وأسقيها الماء، والدجاجات التي أبعثر لها الحب صباحًا ومساءً حتى الكلاب الثلاثة التي تشاطرني المسكن نبحت في تلك الليلة نباحًا ممضًا ومفجعًا لكن تلك العيون مابرحت تراني من تحت القبعة وفوق اللثام، وظللت أنا بين تلك الرموش وتلك الضفاف.. غريبًا يسير في قافلة الزمان.

وكنتُ حاضرًا مادمت خارج عينيها، لكن ما إن أدخل فيهما حتى أصبح ذكرى يغمرها تراب الأبدية ولحظةً مندثرة كمثل بريق النيازك التي تحتك بغلاف الأرض.

أصحيح أن آخر الصحبة الفراق...؟

العيون ينابيع أحلامنا في فجرها الأول... ذلك الفجر الكاذب، لقد طلبناها ونحن ركب القافلة المشؤومة، وكان ذلك في عام الظمأ العظيم وعام الحزن الجليل.

لقد كان بيننا وبين العيون خلاءٌ أبديٌّ مسكون بالجن والعفاريت وأشباح الظلام، يومها تذكرنا أن شيخ الخلوة في الحي القديم قد قال:"إن الأرض لا تطوى إلاّ لصالح أو نبي... لكن الفقيه الذي درسنا القرآن لا يعد طلب العيون من الصلاح في شيء."

وأنا صاحب الحقيبة الحمراء... ظامئ وردتُ لعينيِّ صاحبة القرنفل والزنابق وظامئٌ صدرتُ من عينيها.. فارقتها كمثل يوم حطَّتْ ركابي في حقلها، ومشيتُ أطلب عينًا أخرى لفراق آخر، ووطنًا جديدًا للتقى، وألمًا عظيمًا للتواصل مع روح الكون...

وقال الليل:"... ركاب المحطة الأخيرة حتمًا سينزلون، ويبقى السائق المنذور للطرقات وحده ولكنه معي... رواد الحانات التي تتوارى بين شعاب المدينة في حياء، حتمًا سينهضون مترنحين، تفوح من نواصيهم رائحة الشراب، وفي قلوبهم قلق الحياة والهَّمُ الذي ينزلُ مع نزول الشعاع الأول..لكن ساقي الحانة العجوز يبقى وحيدًا وكسيرًا غير أنه معي."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت