ومضى الليل يقول... أفق الحياة طيف امرأة شهية التكوين، ثم تبخرت وانقشع الطيف.. كانت تحمل في خبايا نفسها وعلى ضفاف عينيها بذرة فنائها... نعم أيها الأشباح الذين تظنون أنكم أحياء... كلكم موت وهلاك، كل واحد منا يحمل في داخله بذور الفناء. جاء من أقصى الكون صديق، وغاب من داخل النفس صديق، ولد في الليل طفل وعند الصباح مات شيخ، قطاران في سفر دائم لكل منهما وجهة مجهولة، قوافل وأمتعة وركاب، نساء وشيوخ وشبان، مال وبنون، غناء و حداء وشعر وعلوم وفلسفة كلها محطات للسفر.. أقسم أنها محطات لقافلة الزمان في سيرها الحثيث نحو مصبها المحزون..
وأنا صاحب الحقيبة الحمراء والمقلة الدمعاء...
اليأس في الآفاق القاصية والدانية، في بلاد الحر وبلاد الصقيع، وعلى الصحراء وعلى البحر، في المحيط المتجمد والمحيط المذاب، في ليالي الشتاء والزمهرير والمطر، ورياح السموم والقيظ المحموم في الصيف.
والحب على الصواري وفي القلوع التي أفردت ذاهبة.. وفي القلوع التي لاحت مع اليم عائدة في مرافئ المدن البعيدة التي ندخلها في آخر الليل، في فنادق الترف وعلى (البلاجات) وفي مناخات المترية.
ونحن غرباء.. لم تستقبلنا الحدائق بالدفوف والزغاريد، لا ولم تطلق في سماواتنا نوارسها الجميلة... لقد لثمت فتياتها فَصِرنَ كجيشِ يوسف بن تاشفين...
ونحن غرباء.. كانت قلوبنا قلاع محصنة، لكن الحصار كان طويلًا جدًا والزاد كان قليلًا جدًا وعلى كل بابٍ حصان طروادة، فما لبثت قلاعنا أن سقطت وداهمها الطوفان، غرباء كنا في الشعاب وعلى الدروب، نسير حيثما طاب لنا المسير وننام حيثما طاب لنا النوم.. وحيثما بركت الناقة في مناخها المحتوم.. أنزلتُ رَحْلَها وبركتُ بجانبها.. وأنا المسافر الغريب... مناخ ناقتي مناخي..
وعلى كل دربٍ فتاة ملثمة، وفي كل حقلٍ قرنفل وزنابق، والعيون ضفاف المأساة وينابيع للحزن القديم، والحب في كل الشعاب فصل من فصول الهزيمة والانكسار وفي مدن النوارس الجميلة.. ميدان للحب، بيد أنه ميدان إسباني أو"فورم"رومي قديم... والعاشق مصارع ثيران وحشية، ومنظر الدم الملوث بالحب يُسرِّي عن أكابر القوم وأبناء النعيم الذين أضناهم الرقاد الطويل بين ملاحق السعادة والعيش الخضيل...
في البدء كان الحب... وكانت الأرض عذراء، في البدء كان أبونا آدم وأمنا حواء وقيوم السماوات والأرض بداية البدايات ومنتهى النهايات.