فهرس الكتاب

الصفحة 755 من 1574

وفي البدء كانت الخطيئة وأول الذنوب والآثام.. لقد تكبر إبليس ثم كفر.

في البدء كان السفر، وكان الاغتراب ورحلة الإهباط من الجنة الخضراء.

ونحن أغراب وعصاة... درجنا في الأرض مخرّبين ومعمّرين، مفسدين ومصلحين كافرين ومؤمنين، أقوياء ومستضعفين، ملوكًا وصعاليك، أغنياء وفقراء، علماء وجاهلين، عاشقين وكارهين، عقلاء ومجانين.

وللتاريخ عين لا تنام، وقافلة الزمان تسير، وبين البدء والمنتهى أحلام وأشواق وفكر وعلم كثير، والحلم يندثر، والشوق يندثر، والفكر يندثر، والعلم يندثر، وماتبقى من شبح الإنسان يسير في موكب الأشباح العظيم إلى النداء الأبعد...

قال شبح الطفل الذي كنته ذات يوم.. الكون لم يتسع لنا نحن الإثنين، فتبعت قافلة الإنس التي كانت تضرب في عمق السديم، وخلفتني وراء ظهرك أعوي بين أودية الجن، قلت للطفل الذي كنته ذات يوم.. تبعتُ القافلة من بيداء إلى بيداء ولاحقتها في كل سهل ونجد بين الأحراش والأدغال، أواه ياطفلي الذي كان.. كانت القافلة تشق الآفاق مسرعة، وكنتُ على أذيالها أعدو مستوحشًا بين غابات تلك الوعور.

ياطفلي الذي كان.. في فجاج الأرض هلع وخوف عظيم، وللروح عويل واستغاثة في تلك الوعور، وبكاء ممض ومفجع، تجفل منه الوعول في كناسها الممنعة، ويفر منه مذعورًا قسورة الأجمات البعيدة، وتثور من روعها براكين البحار، وتنَّهد من وخشتة الأهرامات والجبال.

قال الطفل.. لقد كنتَ مسرعًا فلم نخبر الوادي الذي خلفتني فيه، لقد مسّك السراب المسحور فطفقت تلاحقه ولا تلحقه في الخلاء الأبدي الوسيع، لكنني لا أعاتبك أيها الكبير فذلك شأن الكبار دائمًا، إنما أنا جئتُ لكي أحدثك عن الوادي.. ذلك الوادي الفسيح الذي خلفتني فيه... أمازلت تحس برعشة العشب الثمل الذي استيقظ مع الفجر الأول أم أن شعورًا باليباس والذبول يلتهم منك المدارك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت