فهرس الكتاب

الصفحة 756 من 1574

أمازلتَ تذكر تلك الغيوم.. الغيوم المجنحة التي تسبق فصل الخريف، أم تراك نسيتها كما نسيتني وأنكرتني لأول وهلة.. الغيوم المجنحة لا زالت مَظّلةُ وادينا، ولا زلنا نغني لها أغنية الظل والحر، والدعاء رسول المطر الأول وحامل لواء الغد المجيد يأتي مشبعًا بريح الأرض التي شربت فارتوت من طلائع المطر الأول، يأتي بردًا وسلامًا من الضفة المرتوية إلى الضفة العطشى، يأتي عبيرًا ومسكًا من الضفة المخصَّبة إلى الضفة البتول. والأرض رحم مبارك... أودعته الطبيعة ذات ليلة، سرها الأقدس، واكتمل السر العلوي في تلك الليلة ثم كان المخاض.

فلما أقبل الصباح وترجل كالملاك فمشى على التلال، وعلى السهول والبطاح، ومراكب الشمس خيول مطهمة بيضاء، وشفافية النور أيقظت كل حيّ دب في ذاك الخلاء، وضعت الأرض مولودها البكر، وكان طفلًا ليس كمثله طفل في العالمين، وسرى النسيم يعُبُّ من ترف المياه، ثم ينشر الأطياب في قمم الحراز وعلى السيال، بين أفياء التبلدى واللالوي وجلال المها وفي والابنوس..

طيور القمري على نواصي النخيل وسفوح الصنوبر، تسجع ماطاب لها السجع وتبارك مولود الحياة.

وترجل الطاووس في زهو البتول، ثم مشى على الضفاف كالمليك في موكب جم الفتون.

يارفيق الأمس.. لقد مشت الخلائق بأجمعها في الفجر الأخضر ومولد الوادي الجديد، وأقبل شيخ الذئاب في رهط من بني جنسه، ثم التقوا بقطيع من الضأن والحملان الوديعة، غنى شيخهم أغنية الذئب الوسيم الذي أحب نعجة جميلة فتبتَّل في العشق حتى الجنون، وعلى أنغام أغنية الشيخ.. راقص كل ذئب نعجة حسناء ثم خاضوا في الحب أيُ خوض، وسقوا القوافي من كل حوض.

أتذكُرُ الأرانب الصغيرة الملونة..؟ لقد شببت بوسامة الثعلب، فأسرعوا لقطف الورود الحمراء، وقدم كل ثعلب لأرنبه المحبوب وردة حمراء، ثم تماسكوا، فما من شاب من شباب الثعالب إلا ويُرى في ذلك الصباح متأبطًا ذراع صبية حسناء من صبايا الأرانب.

لقد مشت الأُسْدُ بجانب الحمرُ الوحشية وابتسمت لها في رقة ليس كمثلها رقة. يارفيق الأمس... لم تزل الظباء في وادي النعيم، ترد الجداول ثم تصدر للمقيل بين أفياء ظل رحيم.

وعصافير الجنة في كل دوحة خضراء تغني في نشوة العناق الأول مع الأرض وسحر الوجود..

والليل موطن الصبوات والفجيعة.. وفي غياهب الروح وبين أدغالها وشعابها المعتمة، يربض الغول الذي حُدثْنا عنه في ليالي الخريف الداجية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت