فهرس الكتاب

الصفحة 757 من 1574

لقد مضت تلك الليلة الخريفية وتلاشت كمثيلاتها من ليالي الحياة. لقد حزمت أمطارها المتنافرة كمثل وقع الحوافر على أرضٍ يابسة، وقادت مراكب الريح إلى حيث العدم. ولكن الحكاية المأسورة ملّتْ قعودها في كهف ليلة الخريف،وعندما خرجت من الكهف فرت إلى صدر أمي.. وكانت تجلس إلى النار جلستها الدافئة تلك.. إيه ما أبعدها، كانت لنار الحطب الموقدة في صحن اللَّدايا علاقة حب عظيم وود حميم بأمي وبالبيت وكل العائلة وكانت الرَّاكُوَبهْ مكان العائلة الأقدس، فيه دفء النار ودفء الأم ودفء العائلة، أحببتها مثلما أحببتُ أمي، وكانت ينبوعِ الحكاية الأولى.

وقالت النار في صحن اللَّدايا.. بردٌ وسلامٌ يا أم العيال، مبارك فيه الجبين المزهر، والبطن التي تلد، والثدي الذي يرضع، والقلب الذي منح أول الحب وأول الحياة. باسم الله الذي بارك فيك سهر الليالي على الولد الحبيب، لك الحب آناء الليل وأطراف النهار آمين.

وقالت أمي.. أصل الحكاية ياولدي أن الغول كان يحب ست البنات الجميلة الحسناء ذات النون، وقيل والله أعلم في سبب تسميتها بذات النون أن صدغيها كانا معقربين فسبحان من صورها في أحسن صورة.

للغول ياولدي سبعة رؤوس وكان يصور هيئته كيفما شاء، كان يأتي في صورة إنسان أو بقرةٍ أو حمار، كان ينتحل صور المخلوقات جميعًا وكان الناس في تلك البقاع يخافون منه خوفًا عظيمًا وكان ليلهم موحشًا وطويلًا، وأكثر خوفهم كان على الجميلة ذات النون لأنه كان متربصًا بها في كل مكان وزمان.

لقد فرَّ بها أهلها ياولدي، لكن الغول الشرير ظل يلاحقهم من أرض إلى أرض، وعندما ملّوا الفرار من وجه الغول، قالوا نُزوجها لابن عمها وضاح.

فلما علم بمكرهم، مكرَهو الآخر، فتحول جملًا ما شهدت تلك البوادي كمثله بياضًا وحسنًا، كان لونه كلون البرد، وعيناه سوداوين وعميقتين كمثل هذه الليلة، وكان يرد العين التي تشرب منها إبل القبيلة، فلما رأوه قالوا تالله مافي الإبل التي نملكها أكرم من هذا الجمل، فمن أين جاء..؟..

ويوم الزفاف ياولدي.. تخاصموا عليه، فمن قائل نذبحه، فإن له سنامًا كالقبة الرومية، ولحم لاشك أنه طري ودسم، ومن قائل بل نطلقه فحلًا فإن أصله طيب وكريم، ولسوف نرزق من صلبه نوقًا عتاقًا كعصافير النعمان ملك الحيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت