فلما اشتد الخصام، وانتشر في تلك البوادي اللغط وشين الكلام، أقبل والد العروس، وكان شيخًا ذا مهابة ووقار فانصتوا له خاشعين، قال ياجماعة الخير، هذا الجمل الأبيض دخل في مراحي أنا دون سائر العالمين، وأُعجبتُ به ابنتي ذات النون، وقالت:"يا أبتي ( والله مايوضع هودجي إلا على هذا الجمل ذي الأصل الكريم، أولا أدخل على عريسي هذه الليلة) ، فقلتُ لها يازينة البنات قرِّي عينًا فو الله ماكنتُ لأخالف لك أمرًا، وليس عندي في الدنيا أعز منك ياذات النون."
فتفرق الجمع ياولدي وقد أذعنوا لرأي الشيخ الوقور.
فلما أقبل الليل ياولدي.. أسرعوا إليه فرسنوه وقادوه إلى مكان العروس، وأُنيخَ في قلب الساحة ذلك الجمل الجهم الكبير، وعيونه أضحت حمراء كنيران ذلك الفريق، وكان باركًا في قلب الساحة كجبل من جبال الجليد، حملته قدرة الرحمن إلى ذلك الفج البعيد.
لقد أضمر في نفسه الشر ياولدي وكان متجهًا برأسه الكبير إلى الخيمة التي فيها الصبايا وفيها ذات النون عروس البادية المفجوعة.
وأقبل جمع من نساء الفريق يحملن هودجًا فوضعنه على ظهر الجمل، وقلن هذا للعروس، ثم غُطىَ الهودج .بالِكدَانة وفرشت عليه المفارش، وزيَّنه بالزقاف المصنوعة من جلود الظباء، وطوقن عنق الجمل الأبيض بالعَقّادْ، وكان مرسونًا برسن الدير، ثم وضعت على رأسه القَنْبارْ، فتبارك الرحمن ياولدي...
لقد أقسم كل من حضر ذلك الزفاف، إنه ماشهد منظرًا كذلك المنظر البديع، وعندما أُخْرِجَتْ ذات النون في جوقة النسوة اللائى كن يرقصن ويغنين ويزغردن ويضربن على الدفوف... كانت كالبدر في أوج اكتماله فسبحان خالقها.
حنّوا قدميها ويديها ياولدي.. وأبدعت أيدي المواشط في شعرها الناعم الطويل، وتلك الخدود ياولدي ألهبها الحياء والطيب فاحمرت حتى أضحت كالتبر المذاب. ثم مشت كالملاك بين الناس، ثم حملوها وأدخلوها باطن الهودج، فَبَشَّر الرجال وزغردت النساء.