لقد بنوا لهما بيتًا في ناحية من نواحي الفريق، ووضاح العريس كان في أيدي رفاقه من شباب القبيلة يزينونه لليلة الموعودة، وضاح الفتى.. كان ياولدي أبلج كالقمر أو ليلة من ليالي السمر، فلماتحرك ركبه مع الشباب يطلب ذلك البيت، وتحرك ركب ذات النون مع النساء والأطفال والشيوخ، لاح جمعه ولاح جمعها، فهللوا وبشروا، وارتفعت الزغاريد وعلا دق الطبول.. وتلفت الغول يمينًا وشمالًا ورفع عقيرته بصوت كالفحيح المشؤوم، بُهت له الناس فغشي عليهم، وادْلَهمَّ من وحشته المكان، ثم مرق كالسهم على أعقاب الطرائد، وفر بذات النون إلى باطن الوعر.
ويظل يتناهى لمسمعك لحن شجيٌّ من بعيد.. والموسيقى تستبي الأرواح في الليل.. وقالت الألحان.... أنا الفجرُ الأخضر وأضغاثُ أحلامِ العالم الحي، أنا شهوة الاندماج في روح الكون.
منذ فجري الأول نزلت من عالم الملكوت الأسمى، ودرجتُ في الأرض أمشي وحيدة ومستوحشة ثم جلستُ على دربِ الخلائق، ذلك الدرب الأزلي الذي تمرُّ منه الكائنات.
في البدء.. مر من أمامي الطفل الذي ملك الأرض، جاء يركب العنقاء بنت الريح، وعندما حطت أمامي ونزل، بدا طفلًا سماويًا بهي المنظر، وسعى يركض نحوي حتى ارتمى في حضني فضممته إلى صدري بقوة، وقبلت مفرقه وزرعتُ شفاهي في كل عين وعلى كل خد.
وعندما أراد الرحيل، أدخل يده الصغيرة في جوفه ثم أخرج قطعة بلون الغسق وناولني إياها وقال: خذي مني يا أماه فليس لدي أعز منها، وليس لدي أعز منك، والعزيز للعزيز عطاء، وعندما طارت به العنقاء وبسطت أجنحتها في الفضاء، أخذتُ أقلبُ القطعة الصغيرة التي أعطانيها، فوجدتها مزمارًا ياللدهشة... مزمار صغير مصنوع من القصب. وطفقتُ ياصاحب الحقيبة.. أنفخ في ذلك المزمار، وأعزف ألحانًا غريبة تسللت عبر مسام الكون، فسمعتها الكائنات في عمق البحار والصحارى والجبال وعلى السهول وفي كل فج من فجاج الحياة، ثم هرعت تسعى إلي وكنتُ جالسة فوقفت، لقد كان مشهدًا من تلك المشاهد التي لا تحيا مرتين، وكان الكون في أبهى تجلياته تلك...
وتقدم مني فتىً في عمر الشباب، فأودعَ في يدي حلمه ثم مضى.. وتقدمت مني فتاة بكر"بتول"قالت: سلام يا أماه.. قلت سلام يا ابنتي العذراء...
قالت: سأودعك سرًا يا أماه.
قلت... إنما تودع البنت سرها في قلب أمها، عندها وضعت في يدي سرها ومضت تمشي على استحياء...