ياصاحب الحقيبة، في تلك الساعة دنا مني المجنون.. واقترب من شبحي حتى خلته سيقع على صدري، عند ذلك احتواني بعينين فيهما من الرحمة والشجن مالا يوصف وقال: يا أماه... فقلت لبيك ولدي وأبَرَّ نسلي وأحبهم إلى قلبي.. قال في الغابة العذراء التي لم تطأها قدم أنس من قبلي أدركتني سنة من النوم، وعندما استيقظت ياأماه، كان البحر مني على مرمى حجر وكذلك الصحراء، وتنبهت فإذا بالقرب مني ينبوع ماء، ورأيتُ سربًا من طير غريب حط بجانب ذلك الينبوع وقطيعًا من الغزلان والوعول والحُمر الوحشية كانت تقترب مطمئنة، وكنت أشعر بالظمأ يا أماه... رأيتُ كل هذا فانفتحت شهيتي للشراب أنا الآخر، ودنوتُ من ذلك الينبوع وأنا أمشي على مشطي قدمي في توجس وحذر مخافة أن أفسد على تلك الكائنات الوديعة لحظتها الرائعة تلك، ولكنني ذهلتُ يا أماه حينما اقتربت منها ولم تجفل مني أو تبدي أي ذعر بل كانت في تلك السكينة التي رأيتها فيها من بعيد، فجلست لكي أشرب ثم أتوضأ فأصلي، فماكادت يدي يا أماه تلامس سطح الماء حتى سمعتُ صوتًا كأنه وشوشة النسيم في أذني يقول لا تشرب من هذا الينبوع أيها المجنون، وإذا أردت أن تشرب فعليك أولًا أن تذهب إلى أقصى الغابة العذراء فستجد هناك ثلاثة ينابيع، ستجد على الأول شجرة تين وهو ينبوع الحكمة فاجلس خاشعًا واشرب حتى ترتوي، فإذا ما ارتويتَ انظر أمامك فسترى شجرة زيتون مباركة فامشِ إليها حتى تصلها فإذا وصلتها تجد هنالك الينبوع الثاني وهو المعرفة فاستو قاعدًا في خشوع واشرب حتى ترتوي فإذا ارتويت انظر أمامك فسترى شجرة سيال فاقصدها حتى تصل إليها فإذا بلغتها وجدت هناك الينبوع الثالث وهو ينبوع الحزن النبيل فاستو جالسًا أيها المجنون واشرب في خشوع الظلال حتى إذا ما ارتويت انظرأمامك واطلب شجرة النخيل حتى إذا وصلتها وجدتَ هذا الينبوع الذي أنت فيه الآن واشرب حتى ترتوي، فإنه الينبوع الرابع والأخير، ينبوع الانعتاق.