قالت: ياصاحب الحقيبة... مضى المجنون يقص والكون في لحظة إصغاء غريب، قال:يا أماه... عدوت إلى أقصى الغابة العذراء كما أمرني الهاتف، ورأيتُ الذي حدثني عنه وبلغتُ الينبوع الأول فشربت منه ثم بلغت الثاني فالثالث وأخيرًا الرابع حيث كلمني الهاتف العلوي، عند ذلك ارتفع الصوت يا أماه، حتى خلته يأتي من مكان بعيد في قبة الكون وظل يحدثني بأحاديث غريبة لا أفهمها إلى أن قال مبارك أيها المجنون فقد ارتفعت عن الأرض بمقدار ماشربت من ينبوع الحكمة وينبوع المعرفة وينبوع الحزن وينبوع الانعتاق فامضِ طليقًا، وترنم بحكمة الكون، فإذا حدثتك نفسك أيها المجنون ببلوغ غاية الغايات، فاعلم أن تلك غاية لم يصلها بشر، وانقطع الصوت الغريب يا أماه، وها أنذا بين يديك فاحفظي لي هذا السر في مكانٍ أمين..
قالت: .. وضع بين يدي سره الغريب ومضى لا يلوي على شيء.
ياصاحب الحقيبة، لم أزل كذلك إلى أن مرت من أمامي كل الكائنات وحمَّلتني من الأسرار عبئًا ثقيلًا.
ياصاحب الحقيبة.. أودعتني الخلائق ليلها الثقيل وحزنها النبيل والنشوة والفرح الجميل، في داخلي دمعة الأم التي ثكلت ابنها في ساحة القتال، وحزن الوالد على ولد ضاع في آفاق الأرض ومجاهيل الديار.
ياصاحب الحقيبة.. أنا الزوجة التي تنتظر زوجًا في كل لحظة يعود ولا يعود، وقفتُ على شاطئ البحر... فعلا المد وعادت معه السفائن والمراكب تحمل بحارتها ونظرت فإذا النوارس عادت وكل شيء عاد إلا زوجي أنا فلم يعد.
وحملتُ نفسي، ياصاحب الحقيبة، على أعيائها فلما بلغتُ مرفأ الصحراء، جلستُ أنتظر القوافل العائدة مع الريح، فعادت القوافل وعادت الريح، وحده الحبيب الغائب لم يعد، قالت: ياصاحب الحقيبة، أنا الطفل اليتيم أنام على وسادة الحزن وعند الصباح، أبحث في كل الوجوه عن الوجه الحاضر الغائب، عن الوالد الحنون الذي مضى.. وطواه المجهول...
ياصاحب الحقيبة.. أنا الشاعر الحالم الحزين، أترنم بالجمال الأسمى وروح الوجود، أمشي في الربع الذي لم تمشِ فيه الكائنات، وأُلاحق في الليل طيف امرأة من أثير الأماني. أصغيتُ لأرواح الكائنات وهي تعوي في الخلاء الأبدي، ولم تسمع تلك الكائنات عويل روحي، ياصاحب الحقيبة الحمراء، يا أيها البدوي المسكين.. أنا الملاك الذي يبوح بسر الكائنات، حملت في البدء الأمانة وأشواق الحياة، وأنا الينبوع الذي اغتسلت فيه الخلائق في فجرها الأول.