مشت على جسدي الجيوش المحاربة، والتقى على شجني أول العشاق...
أنا أوفى من صحب الإنسان، فرحت مع أمه عند مولده، وهدهدته لدى السرير في طفولته، ملأته شجنًا وحزنًا جميلًا في مراهقته، وعزمًا وإقدامًا في شبابه ورجولته..
وتفتقت عاطفة الإنسان فكنت أنا مستودع عاطفته وأرّقَ السهاد الإنسان، فكنتُ أنا أنيسًا لوحشته، وتُعذّب وبكى الإنسان، فحملت أنا عذاباته وجراحاته ودمعته، وابتسم الإنسان فابتسمت لبسمته.
أنا الموسيقى أوفى من صحب الإنسان...
رافقته في بدء رحلته، ومشيتُ مع طفولته السعيدة، وشبابه الغض العنيد، ورجولته التي تُشْتَهى، وكهولته التي استسلمت، وشيخوخته الجليلة المتأملة، رافقته في كل مراحل حياته بكيت لدمعته وضحكت لضحكته، وحزنت لحزنه وفرحت لفرحه وأنا الموسيقي.... أوفى من صحب الإنسان، أكملت وفائي فمشيتُ مع الإنسان في جنازته..
أنا ياصاحب الحقيبة الحمراء... صحبت الكائنات في الأزل، ومشينا مع الحياة...
نشوة العناق الأولى كانت في صميم الليل، والليل سيد المتاهات الكبيرة... والتقينا على مراشق المدن البعيدة، غرباء كنا... والرصيف أول المنفى..
ودرجنا نشق الدروب التي تتناطح على جوانبها رؤوس الأموال، وتنحني الهامات ذلًا... هامات الرجال...
غرباء كنا... والمدينة امرأة مقنعة، حبست شعرها في قبعة، والمدن الملثمة ياصاح، توقد قناديلها في الليل فتشتعل اشتعال الكواكب في السماء، وتنطفئ عند الصباح، لكنها لا تبوح بسرها للفقراء والمساكين وأبناء السبيل...
وقالت المدائن... في البدء كنا فتيات لهن حسن فريد، وكان الفقر سيدنا وأبونا شيخ كبير فلما ضاقت بنا الحال، خرجنا وجلسنا على قارعة الطريق، وأقبل موكب السلطان الغاصب فنظرتنا عينه الفاجرة.
في الليل جاء السلطان الغاصب إلى بيتنا تحوطه مسوخٌ بشرية مثقلةٌ بالدروع والسيوف والرماح السمهرية فهددَ أبانا ورمى في حِجره بضع دراهم وسبانا، نال مايشتهى في ليلته تلك ثم رمانا كالطيور المذبوحة في حظيرة الجواري.
وانحنت رؤوس المدائن، وانخرطت تبكي بكاءً مرًا مكبوتًا ومخنوقًا منذ آلاف السنين، وارتفع ذلك النحيب حتى تجاوبت أصداؤه بين أركان الكون، وكان الليل موحشًا والنحيب أكثر وحشة وألمًا وفجيعة.