وسمعت المدائن تقول في زحمة نشيجها وبكائها الأليم: لقد كان في سالف عهدنا المذبوح ياصاحب الحقيبة الحمراء.. نهد أبكار، واليوم.. آه من اليوم، هانحن كما ترى يظننا من يرانا أننا أسعد أهل هذا الزمان، ونحن في الحقيقة أتعس الخلق أجمعين.
نجلس في صميم هذه الأسوار، في الليل وفي النهار، أيدينا وأرجلنا مغلولة بالمال والعار ونمشي متعثرات كالعاهرات، على شفاهنا بسمة مصنوعة وقلوبنا تحترق..
ثم ندخل تلك الدهاليز المعتمة.. الدهاليز التي مات فيها الإنسان وانتحل صورته الشيطان.
ياصاحب الحقيبة.. نحن جواري السلطان، في قصره المنيع ذي الأفنان، في دهاليزه المعتمة التي مات فيها الإنسان، وانتحل صورته الشيطان...
وعرةٌ هذي المسالك وطويلة هذي الدروب...
لكن الرحلة انطلقت، ياصاحب الحقيبة الحمراء، ولم تعد تصلح للعودة.
أنا الصارية المسافرة في كل السفن، وأنا البحار الحزين، وأنا الشراع...
أنا السندباد المسافر ياصاحب البحر...
تعرفني البحار البعيدة والجزر المجهولة، والمنارات والعواصف والجبال التي تجثم في قاع البحر فتتحطم على صخورها السفن...
وتحطمت سفينة الملاح اليتيم على ذلك الشاطئ الصخري المجهول..
وكان ذلك الشاطئ مرفأ الجزيرة التي توارت بحزنها في ظلمات البحار، كان ليل تئن تحت وطأته الكائنات، وعاصفة تقيم مناحة في صميم الكون.
وتسلق الملاح اليتيم صخور الجزيرة، وارتمى في عتمة النبات الغريب، ثم نام الملاح وعند الصباح ترجل من دابة الحلم ومشى في زحمة المشاعر وتدافع الأفكار، ظل يمشي في الدغل الكثيف، ويشق دربًا مابين الغصون المشتبكة هو أول الدروب في تلك الجزيرة التي توارت بحزنها في متاهات البحار.
وانحدر به الدرب الوليد على بحيرة صغيرة تنام كالحسناء على بساط أخضر حتى السواد، وعندما انشرح صدره المغموم فرّت من عينيه دمعتان هما أول الدموع في تلك الجزيرة. وتأمل سطح البحيرة فرأى بطًا وأوزًا جميلًا يسبح في هناء وراحة بال، ورأى على ضفاف البحيرة ترتع أسراب من الطيور الأنيسة، على تلك الضفاف الوادعة... مَثَّلَ الطاووس زهو البتول، ومشى بجانبه الهدهد مزهوًا بحكمته، والبجع المسكون بحلم الخريف يتنزه على تلك الضفاف.
الطيور.. الطيور قال الملاح.. الحسون والبلبل الشادي والكناري المغرد و... ياللروعة أبو مركوب.. أبو مركوب هنا.