فهرس الكتاب

الصفحة 766 من 1574

قال البحر... ياصاحب الحقيبة الحمراء، شهدتُ أنك أنت السندباد القديم الجديد وعهدي بك مولود وفي يدك الحقيبة.. فهل تقعد أيها السندباد ومجاهيل الحياة تشتهي أن تراك؟!

لقد اشتقت لصحبتك أيها الملاح اليتيم فتعال معي..

البحر يناديني...والمراكب التي طال عليها الأمد تتوثب لانطلاقة ميمونة في صميم المجهول...

حيّ على السفر... حيّ على السفر..

حيّ على السفر أيها المسافر الغريب، كأن ليس لغربتك نهاية وليس لأسفارك حدود.

حيّ على السفر.. ياصاحب الحقيبة الحمراء يا أيها البدوي المعفر بالتراب والظمأ والحزن..

المراكب تناديني..

والبحر يناديني...

وأنا ابن السبيل..

حيّ على السفر أيها الملاح الذي تضحكُ لمرآهُ الصواري وترقصُ من بهجتها القلاع.

الضياع يناديني..

مرافئ الموت البعيدة تناديني

زوابع البحر تناديني

تعالَ أيها المتشرد في الآفاق، فأنت بلا وطن..

عاطفتك قيد لمعصميك..

وقلبك جلادك الأوحد

الغربة موطنك الأبدي..

ومسكنك في الكون الحقيبة..

وتهالكنا تحت وطأة الذات المستوحشة في الليل.

وارتعشت مداركي في ذروة المعانقة مع الشوق الأسمى، وثورة الحزن الذي ينام في مغارة الروح.

واقشعر بدني تلك القشعريرة التي تتحفز فيها جميع الحواس، وصحوتُ فجأة على مكان اكتمل فيه الليل ولم يبقَ سوى الهامش الأخير..

وتنبهت فإذا أنا في مجلس الراوي وحوله الرفاق ينصتون في سكون مهيب..

وسمعتُ صوت الراوي كأنه منبعث من داخلي يقول.. بعد سبعين عامًا يارفاق الظلام كان ملك الجزر الأربع قد مات، وابنته الأميرة فينوس ماتت هي الأخرى.

أتذكرون تلك القلعة يارفاق الليل.. تلك القلعة المتجبرة التي مات تحت إحدى شرفاتها بائع الأمشاط والمرايا، لقد أصبحت طللًا في ذاكرة الحياة..

ولما هاج البحر واضطرب داهمها في ليلة مظلمة فأصبحت أثرًا بعد عين..

أصغينا للراوي في ذلك الهزيع الأخير من الليل وهو يسدل الستار الأخير على موت الشاعر.

وتلى الراوي البتول ختام الرواية التي تموت على الشفاه لتولد من جديد في خبايا الذاكرة.

ونحن خشوع نستمع ذهب يقول... يموت الشاعر ليحيا وهو الرابح الأخير في مقامرة الحياة والعدم..

ويوم اشتدت حرارة الأرض، وأُضرمت النار في تلك البقاع المتجمدة من الكون، ذابت جبال الجليد وتلال الثلج الكبيرة، وارتفعت كالطوفان، ثم انحدرت تغمر المحيطات والبحار، لقد هاج البحر على البحر،وسما الماء على الماء فاحتدم الصراع الضاري في صميم الخضم العظيم..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت