فهرس الكتاب
يوم التقى البحر بالبحر، وتدفق الماء على الماء.. غابت جزرٌ بأكملها تحت اللجة وتوارت سواحل اليابسة البعيدة بعمارها وزينتها وابتلعتها الهاوية التي ليس لها قرار.
يارفاق الليل... صراع الماء واليابسة لا ينتهي...
يومًا غلبت اليابسةُ البحرَ، فمشى التراب مزهوًا بخلقه وكائناته يلاحقُ البحرَ في كل مكان، وعندما أيقن البحرُ بهزيمته أمام التراب فرَّ من وجهه مذعورًا وتوارى بحزنه في الركن القصي من الكون...
لكن التراب جبّار عنيد، أخذته نشوة النصر وسكرة الغلبة المفاجئة فلم يكتف بردم جوانب البحر وطمرها تحت أثقال كائناته الأليفة والمستوحشة، بل طفق بعتو وغلظة يتربص بالبحر المهزوم في كل مكان يلوِّح في وجهه بالرعب والموت ويدوس بأرجله المسمومة باطنه الحزين...
عندها يارفاق الليل... طفح الكيل وبلغ السيل الزبى... والبحر في غضبته سيد الأسياد، يوم استنجد البحر بقوى الطبيعة الأخرى، توافدت عليه من كل فج وتواطأت في ليلة مظلمة مع البحر ضد التراب الغاصب.
لقد تضافرت عناصر الكون على التراب وكان من أمره ماكان..
عندما هبت نسمة الفجر الأولى قال الراوي... الأرض أخذت مالها وردت ما عليها فلا غالب ولا مغلوب، والكل في ملكوت الله واحد..
هي الأرض.. حسناء الكواكب وكاعب الأتراب.
على بابها يتزاحم الخُطَّاب في كل جيل، وتلهجُ ألسنةُ الخلائق بجمالها في كل الفصول وعلى جسدها الغض النبيل نما الموت ونمت الحياة...
هي الأرض... ميدان الصراع الأزلي الذي لن ينتهي مادامت الحياة.
جميع الكائنات في الكون لاترى غير الأرض مكانًا يصلح للحروب، فجسد الأرض أقدس الأجساد وأصلحها مكانًا للحياة والموت.
الكواكب المعلقة في الخلاء السرمدي الفسيح عندما تغضب لا تثور إلاّ على الأرض، الشموس ومدائن النجوم والمدارات الكبيرة والمجرات وسائر الأفلاك لا تعشق سوى الأرض..
لو تقاتلت في الفضاء المهيب لأرسلت هدية الحرب للأرض، أو تصالحت لبعثت للأرض هدية السلام..
البحر والصحراء يتقاتلان على جسد الأرض وباسم الأرض، يقتل الإنسان أخاه الإنسان باسم الأرض، يسجنه، يعذبه. ينفيه إلى أقصى الكون باسم الأرض وحب الأرض، يقفز ليلًا على رقاب الملايين من التعساء والأشقياء سلطانًا وحاكمًا ومؤيدًا باسم الأرض...
الحيوان يقاتل الحيوان، والحشرة تقاتل الحشرة، كل العوالم والكائنات على رحابة الوجود يقاتل بعضها بعضًا باسم الأرض وحب الأرض..