فهرس الكتاب
وكذلك هو الشاعر... يموت ليبقى ويفنى ليعيش...
بعد مقتل الشاعر بعشرات السنين حمل اليم ذلك الخرج الحزين وألقاه على شاطئ جزيرة في قلب المحيط، ويوم اكتشف الناس تلك الجزيرة وجدوا دفاتر الشاعر بعضها ممحي أذابته اللجة وبعضها معافى من الأذى، وجدوا اسم فينوس واسم الشاعر البدوي فتيا منوا بالفأل الطيب... وأطلقوا على تلك الجزيرة المجهولة اسم الشاعر فعرفت بين الناس بجزيرة الشاعر البدوي...
وانتصب الراوي قائمًا وانتعل حذاءه وأحكم على رأسه عمامته الكبيرة، وتناول عصاه بيده وقال أدركنا الفجر يارفاق وينبغي أن لاتفوتنا بركات الفجر.. (وقرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهودًا) . ومضى..
ودخل كل واحد منا في إهاب صمته، ونهضنا فتفرقت بنا سبل الحياة مع أول طلوع النهار...
من المهد إلى اللحد، ومن الغيب إلى الغيب، يسير الإنسان ضاحكًا وباكيًا، عالمًا وجاهلًا، مسحورًا يتبع النداء المحموم.
لكن النداء لا ينتهي إلى غايةٍ معلومة، كما أن الوجيب لا يسكنه إلا الفناء والإضمحلال في صميمٍ الأبدية.
ولهذا أبثك يا سيدتي شظايا سكينتي المحترقة، لذا أتلو عليكِ قصيدتي التي اختزنت حلم الوجود وعويل الصبا وحزن المشيب.
فأنت إذن يا سيدتي امرأةٌ مجهولة تدب في مجاهيل الحياة، لكنني اصطفيتك بيتًا لأوجاعي وأسقامي، وأخترتك وسادةً عائمة أُريح رأسي عليها بعد الدوار الطويل، فاغفري لي إذن هذا الدخول المباغت بسماحة الأنثى التي لا يخلو قلبها المضرج بالحياء من الرحمة.
ربما كان مخجلًا يا سيدتي أن أحطم جدار العدم وأجرؤ على اقتحامك من عالمك المجهول، ولكنه النداء يا سيدتي..
هذا النداء المبهم الغريب الذي اختارني من بيت أشباح الكون لأمضي معه مسحورًا إلى حيث لا أعلم.
هذا الحنين الشجي إلى امرأةٍ لا أعرفها و لا تعرفني... إلى امرأةٍ تنام كالملاك على تخت الحروف ونزيف الكلمات.
أواه... أيتها الأنثى التي لا أعرفها... اغفري لي هذي المناغاة عبر سديم الحياة واغفري لي هذا النزيف المحموم الذي يسيل كالنهر من جسد الحروف وجسد الكلمات.
فأنا وهمٌ يا سيدتي.. وهمٌ يتكور في أسطح البيوت التي بللها المطر، وعلى الدروب الحزينة التي يتزاحم فيها البشر، على نواحي الليل المشدوه المحدق في فراغ الأبدية.
أنا الطيف الباكي يا سيدتي أسير في موكب الأطياف حتى آخر الهذيان والحلم، إلى الفناء في قعر الأبدية السحيقة.