فهرس الكتاب
ولذلك اصطفيتك لنفسي أبديةً أضمحل فيها مبهورًا، وأنحلُّ فيها كالغيمة الهوجاء. واخترتك فناءً وعدمًا أمشي إليه مختارًا لأغفو متلاشيًا فيه كما يغفو الناي الحزين بين شفتي راعٍ على مرجٍ أخضر.
أنا رسمٌ ممحيٌّ يا سيدتي ملوثٌ كالمسخ، كالشبح الحزين أدرج من فراغ لا نهائيٍ مهيب.
فكم مرةٍ إذن.. أشرق نور الصباح.
وكم مرة أقبل الليل الكتوم
وكم مرة حدق من عليائه القمر.
وغفوة الخريف الرحيم على الجروف وفي المنحدرات ما بين الأشجار، وهديل القمري على السفوح، وهدير المياه بين الصخور، وتسبيحة الوادي الساجد بين يدي الله. عفوك يا صاحبة الوجه النبيل الذي لا أنسبه إلا لوجه أمي.
عفوك إذا أحرقني السهاد في صميم الليل فطفقت أنفخ فيك من روحي، ثم دحوتك حقلًا خصيبًا أُبعثر فيه العذابات وأسفح عليه الدماء.
فأنت يا سيدة المزمار متاهتي التي أدرج فيها واثقًا من فنائي. فلتعلمي إذن أنك أنت القافلة المسحورة التي تبعتها في التيه العظيم. وأنت الهودج المحروس بأسنة الرماح وظمأ الصحراء والعدم.
أواه يا سيدتي...يوم فُطمتُ من ثدي أُمي، أهرقتُ في جوفي قارورة الدواة... شربتها حتى سكرت، لقد كان أبي فقيهًا فبارك هذا الشراب... لذا فأنا أكتبكِ اليوم يا صاحبة النشيد بمزيج من حليب الأم ومداد الكتابة وأنا حقًا لازلتُ طفلًا يندد بالفطام ويحتج بشرب الدواة في كل يوم.
لقد كتبتني أمي بثدييها صحيفة بيضاء...
وكتبني المداد من لدنه صحيفةً سوداء..
وها أنذا لم أزل طفلًا يعبث بالألوان، ويلهو بأدوات الكتابة..
ولطالما كتبتُ نفسي في موهن الليل ثم محوتها في أول النهارِ، حتى إذا ما اقبل الليل ثانيةً أعدت الكتابة من جديد.
ويوم أيقنتُ أنني منذور لكتابة امرأةٍ مجهولة، علمتُ أن طفولتي لها أصلٌ في رحم الغيب.
لطالما شدني إليك حنين مبهم أيتها القديسة، وأنا طفلٌ تسحرني النداءات الغامضة فأركض نحوها مبهورًا حتى الجحيم.
وإذن.. فقد مهدتكِ للبوح الأليم يا سيدتي، والكون لا يعدو كائنًا فردًا يتدحرج من حزنٍ تحت المطر.
أواه يا سيدة الأغوار البعيدة... لقد شدني إليك عقم السنين اليابسة فأفردتُ لجسدي الشراع لكي يبحر مبهورًا تحت زخات المطر، ومشيتُ في وجل اليتامى أترنح على الدروب العاطلة.
لكن شعاب الزمان مقفرةٌ وأفق الحياة غبيٌّ وشحوب، بيد أني يا متاهة الرغائب حملتُ نعشي على كتفي وعدوتُ أطلبك في فجاج الهلاك في فجاج الردى وأفواه الجحيم.