فهرس الكتاب
فأنا يا سيدة المحار التي أفر إليها من ذاتي وحياتي.... قد أقسمتُ لطفولتي في فجرها الأول بأن نسير معًا على الدرب الحزين من الحياة إلى الموت ومن الموت إلى الحياة..
يا آهة البرد والمطر الراشح في ليل الغرباء...
والشجن الملقى على قارعة الطريق وقارعة البروق
والحنين القرمزي إلى الدفء والمنفى
واليأس المتكرر تحت أوجاع الزمان.
أواه... يا سيدة المنفى...
يحرضني شوق الكتابة إلى الكتابة.
وتحرضني الكتابة على الكآبة
والصحائف البيضاء باكيةً مستلقيةً، كحقول من القطن في عالم المسغبة
كالصقيع المتراكم في الزمن المنطفئ
يحضني الشوق إلى الكتابة...
إلى النزيف الحلو بطعم الكآبة
إلى الطفولة المبعوثة بلون الخريف العائد والبجعات العائدة.
إلى السكينة في ساحل الليل المطمئن، بين غفوة الأنام ويقظة الأحلام
يحرضني شوق الكتابة...
أن أرفع مرساتي وقلوعي
وأعصر قلبي كمثل النبيذ
بين أوجاعي وضلوعي
ثم أبحر ما طابت الريح
فلعل الرحيل في المنفى سلام
ولربما ترياق الشعر
يذهب الآلام.
يحرضني الشوق يا مليكة الحسن الماحق، والجمال الذي لا يُبقى ولا يذر أن أغفو على وجه صحائفي.
انتظر قافلة الكلمات في رحلتها الأبدية بين الشام واليمن
كم جملةٍ لحنيةٍ عبرتْ
وكم صورةٍ باكيةٍ رُسمت
كم قصيدةٍ غرامية سُمعت
وكم دمعةٍ قيسيةٍ سقطت
يدفعني الحنين إلى الكتابة...
حين يمتزج الحزن بالحبر
وتتخذ الكلمات شكل السحابة
حيث يتجاسر الحرف....
ويغدو أديمًا للمزامير البعيدة.
وشجوًا للكمانات والقمارى النائحة.
آه.. لقد مشت على جسدي قوافل الزمان، وأنا مازلتُ ملقىً لا أستطيع حتى الكلام.
فحدثيني يا سيدة هذا الحديث، كيف أكلم الناس عنكِ، وكيف أُفهم ذلك الشرطي الذي يسألني دومًا عن هويتي.
هل أقول له أنا الخطوة الأولى في رحلةً المأساة.
فلطالما يظن أنني الغريب الذي يدرج باحثًا في الكون عن وطنٍ حملته أشباح الظلام إلى حيث يجف الحليب من ثدي الأمهات، إلى حيث اقتضت حكمة السياسة الرشيدة بناء أول مقبرةٍ جماعية لموتى المجاعة.
أتراه يظن أنني أنا التائه الذي يعرج نحو السماء صعودًا في رحلةٍ أبدية الأطوار، كالحقيقة وكالحلم، كالموت وكالحياة.
غير أني محض حلم صغير يتكور في حشى الليل السرمدي المهيب، مجرد كائن يحمل بذرة فنائه في نفسه ويدب مزعورًا في فج الحياة مروّعٌ في النور وفي الظلام، غريب أينما يحط قدميه يمور من تحت قدميه التراب.