فهرس الكتاب

الصفحة 775 من 1574

عندما يهبط الليل يا سيدتي ويطوي تحت جناحيه الأسودين كل العالمين يفر النوم من تحت وسائدي وجفوني وأبيت على سرر الصحوة المستوحشة. دكة نومي أتونٌ مشتعل وملاحفي نسجتها أحزان اليتامى من التعاسة والوجع.

رباه... من يغنيني هذه الليلة كي أنام، من يهدهد جفني ليستريح، من يمسد خصلات شعري براحةٍ حنونة فأغفو عليها وأحلم بالجنة والحور العين، من يكنس حطام الليل المتكدس على باب أُدحيتي ونوافذ قلبي.

وإذن... فخذي مزمارك يا سيدتي واملئيني أنغامًا تعيد لعينيَّ السكون وتُريح رأسي على مخدات السلام.

أوجعيني يا سيدتي، فليس ثمَّ وجعٌ نبيل إن لم يكن على يدك، وليس ثم مزمار حزين إن لم يشتعل بين شفتيك.

غنيني... غني لي يا سيدتي وامطريني ببرد الغناء، وهل بردٌ وسلامٌ إلا الغناء، فكذلك أوصتني أمي النبيلة وأنا طفلٌ لا يحفظ إلى الوصايا وحكايات الأمهات.

غني لي يا سيدة الوصايا التي أصلها في الماضي المجيد، ففي غربتي أبطل الحزن كل مراجعي وفقدت ذاكرتي في لجة النسيان والعدم، لقد محى الزمان صحائفي وألغى كل الذكريات، لم أعد أذكر كم شجرةٍ من أشجار اللالوب تشمخ في فناء الدار التي ولدتُ فيها، ولا أذكر كم سدرةٍ على الدروب العاطلة التي طالما لعبنا عليها، لا ولا أذكر شكل جنائن الليمون والمنجة ولا لون العراجين عند أقاصي التلال حيث للقمرى مع النخيل حكاية عشق لا يموت.

لقد نسيت ألوان الملاحف والمواعين النحاسية والصور المطرزة على السجاجيد القديمة وخزائن الحديد التي جلبت من مصر وجربان الجلود والقرب والشِمال والبروش الملونة في أدحيات بيتنا الكبير.

لم أعد أذكر الراكوبة المنمقة ولا اللّدايا ولا موضع المصحف والسيف والإبريق من البيت.

لقد نسيت كم جبةٍ لبست وكم عيد، وكم مرةٍ بكيت في صدر أُمي.

لقد تكلست كل الصور وتجمدت كل الأصوات في خرائب ذاكرتي العجوز.

لكن صورة واحدة لا تزال كعهدي بها وصوتًا واحدًا لا يزال كعهدي به وجه لا يزال حيًا يرزق في الذاكرة الميتة، وموسيقى صوتٌ إلهي لا تزال أصداؤه تتردد على أفلاك سمع أصمَّهُ الطنين.

الوجه النبيل لا يزال كعهدي به حيًا ونقيًا حتى الشفافية والحزن.

الصوت السماوي الوقور أين منه سوناتات بتهوفن وألحان الطفل الإلهي موزار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت