فهرس الكتاب
ذلكم صوت أمي الذي أسمعه في كل صوت جميل وهو أجمل، وذلكم وجهها الذي لا يضاهيه جمالًا وطهرًا وجه من تلك الوجوه الملائكية الجميلة التي أبدعتها قرائح الرسامين في عصر النهضة وفي كل العصور وأودعت فيها كل أشواق الإنسان إلى السمو وإلى الكمال.
ذلكم وجهها الذي أبدعته يد الرحمن فتبارك الله أحسن الخالقين، وذلكم صوتها الذي باركه الله في الأعالي وأودع فيه الحكمة الخالدة فتبارك الله الذي يصعد إليه الكلم الطيب.
هدهديني كي أنام هذه الليلة يا سيدتي، فأنا في شعاب هذا الليل المنتحب أتوهج شوقًا ليد امراةٍ كاملة الأنوثة، أتنفس من راحتها الأوكسجين وأعبُّ منها ما يعصر من رئتي قطران السجائر ورائحة المازوت وأتحوط بها درعًا سليمانيًا مطلسمًا أتقي به شبحًا يمتصني في خلاء الليل المهيب، وأحملها سراجًا مباركًا في عتمة السراديب والظلال المروِّعة.
دفئيني بعطفكِ يا سيدتي فأنا طفلٌ مقرور تحت سماءٍ منطفئة، وأنزعي من على جسدي الضعيف ثيابي المبللة، وخذيني إليك أخذة صدق.
دثريني بعباءة قطن صنعتها بيديك ودعيني بجوار موقد النار أتجشأ دفئًا وسكينة وأنصت في خشوع لصمت التلال البعيدة وسكون تلك الجبال التي ابتلعت في جوفها سرها الأعظم وجثمت في جلال مهيب تتأمل صغار الكائنات في عتوٍ ولا مبالاة.
لله ما أوسع هذا الليل يا سيدتي... أتحفظين موشحًا لشاعر أدركه الليل على ظهر دابته وهي تخب نحو ديار الحبيب، لقد ضاع في مثل هذه العتمة شاعرٌ صعلوك يقرض الشعر ولا تجد الفئران في بيته ما تقرضه فتصوفت هي الآخرى وانتشرت في حُبَكْ الظلام تقرض الشعر.
أم تراك تحفظين سيدتي أرجوزة الطارق الغريب في موهن ليلةٍ من ليالي كانون العتيد والكون جبٌّ ينز من جوانبه الصقيع.
هل آنس نارًا في ذلك الكوخ البعيد على حافتيِّ الغابة والنهر، أم يقوده طيف امرأةٍ تغتسل بالأمطار وتتعطر بالعواصف.
لله ما أوسع ليلك يا سيدتي، وأنا الغريب الذي يقتحم الصقيع فزعًا إليك، دبيب الشتاء يسري في عظامي، والمطر الراشح يثقل هامتي.
لكأنني أزحف في جوف مغارةٍ متجمدة منذ مئات السنين، لكأن قلبي فضاء بلا حدود، لكأنه خلاء أبدي تخشع من هوله الأبصار وتقشعر من وحشته الأبدان.
لكنني وأنا الطفل الذي ضاع من أمه وهو يحبو مأخوذًا خلف طيفٍ مسحور آنستُ فيك نارًا فعدوت أطلبكِ في التيه العظيم.
دنوت منك وما دنوت.