فهرس الكتاب

الصفحة 777 من 1574

وبين الإقدام والإحجام أراني واضحًا كما لم أر نفسي من قبل، وأرى الحياة مذبحةً تجز فيها الأعناق قبل أن تشرئب وتموت فيها النفوس موتًا مكثفًا قبل رقدتها الأخيرة وقبل أن تشيع محمولةً على المناكب إلى المثوى الحزين.

لمن هذه الرؤى الباكية يا سيدتي، لمن هذا الضريح الذي لا يستبشر بقبر الموتى، لمن جهنم التي كلما قيل لها هل امتلئت تقول هل من مزيد؟ لمن سعادتي وشقائي وبكائي وابتسامي، لمن هذه الأكوان يا سيدتي ولمن أنا.

دنوت منك وما دنوت.

وبين الإٌقدام والإحجام أهيل على نفسي ركام الحياة البالية، واجلس مدحورًا بفشلي وذلي.

اجلس كالثكلى في خرائب الماضي المحترق، لا أملك من حاضري إلا الحديث عنه ولقد يستعصي اليراع أحيانًا فيكف عن الحديث.

أراني كصاحب جرة السمن الذي علقها فوق رأسه وطفق يحلم ويحلم حتى تهشمت جرته واندلق السمن على رأسه الحالم فاستيقظ.

لم أر الحلم الذي طالما حدثته وحدثني ولا الحب في فج الحياة ولا الشعر ولا الفن.

لكنك قدري يا سيدتي، قدري الذي أسوق نفسي إليه مدفوعًا بكل ميراث الكائنات التي تنوس على عواتقها المصائر.

تلك الدروب التي مشيت عليها، أذكر أنني عبرتها كالنائم، بيد أني لا زلت أسري وأتخبط كالعشواء في السُرى، تتفتح في وجهي المتاهات وتتأهب لابتلاعي كهوف مظلمة، فلا أدري أيُّ جبٍّ مظلمٍ ألقي إليه بقطعةٍ من نفسي، ولا أدري بأي قطعةٍ من نفسي أفتدي نفسي.

يشتد شقائي حين آوي إلى مضجعي في آخر الليل، فحين أستلقي على رطوبة تلك الدكة الحزينة، تلك الحشية الباردة التي أستشعر صقيعها يسري في عظامي.. أحدث نفسي توًا بحديث النوم ويالشقائي بذاك الحديث. أغمض جفنيَّ لكنني لا أنام، أتنفس بعمق وهدوء لكنني لا أنام، أتقلَّب وأتأوه كالسقيم بيد أني لا أنام، أتمدد مسترخيًا كالشيخ العتيق، أتكور منكمشًا مقرورًا كالطفل الوليد غير أني لا أنام.

فلو أن لعينيك أشعةً تكشف ما في الصدور... إذن لرأيتِ فؤادًا غريبًا لا يكف عن النواح ولا يكف عن العويل.

بيد أن للناس عيونًا لا ترى إلا الذي أوحت به الوجوه وتكلمت به الشفاه.

عيون الورى يا سيدتي يقصر مداها أميالًا و أميالًا عما وراء الأقنعة والأشكال. عيون الورى يا سيدتي لا تستشف أحزان الغرباء وجراحات اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، فذلك شأن الإله.

ولقد حملتُ فأسي وحطمتُ تلك الحصون التي حوت سرها الأقدس.

هشمتُ النوافذ والأبواب واقتحمت كمغتصب أثيم حرمة القلب الحرام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت