فهرس الكتاب

الصفحة 778 من 1574

مشيت على ثرى الفؤاد الذي طالما تحاشيته رهبةً وخوفًا، وافتضتُ بكارة قلبي الذي ظل أجيالًا في عتمة الضباب والغيب.

فبأي أبجدية باكيةٍ أحدثك يا سيدة هذا الحديث، بأي لغةٍ موحشةٍ كخرائب الفلوات المهجورة أبثك هذا الخطاب، وبأي مداد موجعٍ أكتبك يا سيدة هذا الكتاب.

آه لو تعلمين كيف تمضغ الكلمات قلمي، وكيف أتمزق أشلاءً وأنا أخطط وجهك مسهدًا والنوم يمسّد أجفان العالمين.

غمستُ ريشتي في دمائي وطفقتُ أكتبك لغةً حمراء كمثل الجحيم الذي يعتمل في النفوس المعذبة، وأنثرك على الصفحات وجعًا دمويًا من صميم الصميم.

فتحتُ قلبي الذي كان مختومًا بالتهجد آناء الليل وأطراف النهار ومحروسًا بتلاوة الكتب المقدسة وصلوات الأنبياء والصالحين والقديسين وأولياء الله من ذوي الكرامات.

فتحته واستخرجتُ ما في جوفه من الكنوز التي لا يعلوها الصدأ، وعدوتُ أطليكِ بثراء قلبي وترف مشاعري، وأبذر بين يديك الكرامة والأعطيات وأبثكِ بإسراف الذي ظل يبخل بقلبه مدى الزمان حتى إذا ما تحرك الشوق السرمدي، حتى إذا ما بدأ النداء الأبدي أخرج قلبه للناس وكان من المسرفين، وأنا الفتى الغريب... راهنتُ على أعتابك بكل ماملكت يداي وكنت أعلم أنني أراهن على سراب.

كنتُ أعلم أنني إنما أُريقُ دمائي للرياح، للشفق المسحور اللازوردي للنورس البحري، للهذيان الليلي.

كنتُ أعلم أنني أنا المحارب الذي تُكسر حربته في أول الصدام ويعرف هزيمته قبل اللقاء.

غير أني يا سيدتي خُلقتُ هكذا لأتعقب السراب وأروم المحال فجًا إثر فج، وغورًا إثر غور.

وأعلم أنني الخاسر الأول والأخير.

لا يليق بالتعيس إلا الشكوى، بيد أني لستُ التعيس الذي يشكو وإنما أنا التعيس الذي يحزن في صمت.

وصمتي قد فضَّته الصحائف التي نذرتها للحديث في وجه السراب الأزلي وللحديث الجهنميّ أزهارًا حمراء دامية كتلك الأشجار الجهنمية التي تزين واجهات البيوت في السودان.

وللحديث الجهنميّ نزيف متفجع يضرِّج بياض الدفاتر المترفة فلا تعود تشبه إلا خدود العذارى الحييات المترفات في بعض السهول التي منَّ الله عليها بالعيش الخضيل والسلام الجميل.

طوبى لعينيك يا سيدتي ما أبعدهما، سأظل أسعى نحوهما ما حييت سأظل أمشي كما يمشي الدراويش ولن أكف عن الرحيل.

ليس لأنهما طوق النجاة فلا نجاة مع الحياة، وليس لأنهما ساحل لازوردي للخلاص إذ لا خلاص في كونٍ ليس فيه حقيقة خالدة سوى الموت والفناء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت