فهرس الكتاب
بلى يا سيدتي فليس لتلك ولا لهذه ولا لشيءٍ ربما.
غير أني كائنٌ ككل الكائنات التي تدب بين فجاج الحياة والموت، تسير مع قافلة الزمان يبعدها شوقٌ ويدنيها ويرفعها حلمٌ ويرميها.
وإذ أسعى لعينيك يا سيدة العيون البعيدة...
تكور الكون الموشيَّ بالضباب واستدار السديم، وتوقف قلبي في تلك الوعور وبكى.. أواه أيُّ دمع مفجع بكى.
هل حدث به الناي المغرد في الليل البهيم، هل رواه مليك الشعر في عرش اليمام أم سجعت به حسناء في نظمٍ رخيم.
إذ أسعى لعينيك يا سيدتي...
عيون الصبايا في كل فج وجلات، وسكون الليل في كل عمق يتأوه.
ولحن الشبابة وهم....
وضحى الأحلام موت
وحنين النوق سراب.
يوم طلبتُ عينيك يا سيدتي وعدوت نحوهما، عدوت على شجن في صباحات الحياة ومشيتُ كالظلال على الدروب، وتلوت أناشيدي كمثل الصلاة.
يوم طلبتُ عينيك...
أنشدتُ أغنيتي الأثيرة ونفختُ نايّ ونقرتُ عودي وضربت دفي، وتراءت لي في السراب الأُمنيات....
ذاك فردوس وعلى الظل فتاة، وهنا نهرٌ وعطر غريب.
وكان الليل شاعرًا ينظم للحياة، وكان الفجر أندلسًا خصيب.
ومضيت أقلِّب سفر الزمان الكذوب...
أواه... لقد كذبتني عيناك وأضلني السراب، وابتلعتني المتاهة وغيبني الجب لكنني قطعت في عينيك فضاءً بعيدًا وليس لي أن أعود من هذا الرحيل المرهق فكلنا يا سيدتي يمضي إلى حيث تقوده قدماه وهولا يعلم، نمضي وليس لأحدنا أن يقف في منتصف الطريق ليرنو بعينيه إلى المسافات الطويلة التي خلفها وراء ظهره في سباق الحياة الرهيب وإلى المسافات التي سيقطعها من التراب إلى التراب.
نمضي وليس لأحدنا أن يتساءل هل يعود أم لا يعود.
في فجر عينيك يا سيدة السراب الذي يغشي العيون، ذهبت بعيدًا في رحلةٍ مرهقة، طويتُ ملايين السنين الترابية
طويت ملايين السنين الترابية والكلمات تتزاحم في نفسي كالإعصار تتفجر في شراييني تفجر البركان وأكاد أن أموت ودابتي لا تكف عن المسير.
في فجاج عينيك عدوت طفلًا سره كظيم، روح من جنة الفردوس أهبطت في كونٍ أثيم خطوت فيهما وكانتا كمثل المتاهة.
في فجاج عينيك حُشر الناس للسُرى وفيهما ظمأٌ عظيم، رحماك يا سيدتي إننا في العير التي أقبلت تسعى في صميم السديم.
إننا ركب القافلة المسحورة، نضرب في التيمور بغير هدىً ونشق الأهوال تلو الأهوال.
تعالى بيننا العويل والصياح وانبرى الشقاق قائد رحلتنا المشؤومة.