فهرس الكتاب

الصفحة 780 من 1574

يوم تواعدنا تقاطرنا من كل فج وغور والتقينا فضربنا بيننا عطر منشم.

لقد أخذ البريق منا ما ادخرناه من حكمة وتلألأ السراب يدعونا للمسير، فسرنا يتأجج في نفوسنا الجهل والطمع، ومضينا بلا زعيم يقودنا ولا حيكم يحفظنا من الزلل.

أواه يا صاحبة العيون التي لها علمٌ في كل مأساة، لقد خطوتُ فيهما حتى الهلاك، وأبحرتُ فيهما من لحظة الميلاد وسأجري مع الريح حتى الإحتضار.

ذلكم زماني يا سيدتي....زمان اليأس والحب والبكاء والشعر.

ذلكم زماني زمن القصيد والنواح، تقلدت فيه بربابتي العطشى وضربت عودي ونفخت مزماري وتلوت قصائدي، بلغت ارزل العمر وهممت أن أبوح ببعض أسراري.

لم يكن الزمان فجرًا قدسيًا مشعشع الأنوار، لا ولم يكن المكان ضفةُ نهرٍ عجوز يعربد ما بين الغصون والظلال.

وبساط الأرض لم يكن بساطًا من النجم والعشب والأزهار، لا ولم تكن سمائي سماء للطيور وللعبير.

ولم يكن في خاطري أنني في حضرة قداس ولم تقبِّلني العصافير ولم تنشدني القمارى، وذلك النهر لم يملأني من شجوه القديم ولم يحتضني كالسفائن ولم يطعم سكوني ببعض تأملاته وأحلامه وصمته الأزليّ.

ذاك زماني زمان الرحيل.

لقد تعبت روحي وتعطل مزماري وتلاحقت أنفاسي وتشوهت أفكاري.

الرحلة يا سيدتي انطلقت في مجاهيل العتمة والضباب الذي لا يفضي إلا إلى عتمة أخرى وضباب آخر..

ما هذا السديم يا سيدتي.. لكأن بصري معصوب فلا أرى إلا خلاءً أبديًا فسيحًا يتعطل فيه الحس من الهول والرعب ويتجمد فيه الكلام من الحقارة والضعف والإنكسار.

لكأننا يا سيدتي في غبابات الحياة نجهل من نكون وهذا الكون من حولنا ما يكون.

لكأننا في قلب إعصار يحملنا كالريش من مكان إلى مكان وقد تعطل فينا السمع والبصر.

ذاك زماني يا سيدتي زمان السأم والتكرار.

بيد أني لك ولعينيك أسعى وأمشي، في الضريح الكبير أمشي، في غابة الشواهد والحزن والفناء أمشي.

أمشي وروحي تعوي في كل المواسم ونفسي تنوح كالثكلى.

أشق قفرًا فلا يقضي إلا إلى قفرٍ آخر أبشع وأكثر وحشة ولا سبيل لابن السبيل إلا السبيل، وليس للراحل إلا الرحيل.

ليل يعقبه صباح وصباح يعقبه ليل، وأنا بينهما كالذبيحة المعلقة والناس من حولي يضحكون ويفرحون ويتزوجون ويتناسلون لكنني لا أسمع إلا هدير الدماء والعاصفة ولا أرى سوى شبح المأساة.

الناس من حولي يصنعون أفراحًا من العدم، يغنون ويرقصون ويتراشقون بالزهر والنَّوار.

يعشقون ويكرهون، ويروِّج بعضهم لبعض كأنهم أرباب..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت