فهرس الكتاب
البعض منهم لا يملك قوت يومه فانحاز إلى صف المتفرجين ذوي المتربة والبعض منهم يغوص في لجة الثراء والترف يأكلون ويشربون ويتنعمون على ضفاف الأنهار والبحيرات وفي القصور التي تشرئب بجهامةٍ وقسوة. بعض النساء يقفن على النوافذ والأبواب من الصباح حتى المساء يلتقطن سخافات العابرين ويتناقلن ما يبثه التلفاز من الإعلانات والدعوات التي تحض على المزيد من الإستهلاك والنهم.
وبعض النساء يقفن على مسرح الحياة المضاء بملايين النجوم الصناعية يتزحلقن كالسحالي في الصحاري الحامية، تضغط على أجسادهن الأردية العاصية الضيقة وتغيب ملامحهن تحت وطأة الأصباغ والأقنعة الشمعية استعرن من القطط السائبة موائها ووقفن يعربدن وقد تلصصت على أنوثتهن متبذلة عدسات المصورين وعيون العابثين المترفين وسط بؤرة مشتعلة من الشهوة والتهريج والتهليل والتصفيق.
الناس من حولي مهرجون ومهرجات، عابثون وعابثات، يمشون في موكب المأساة يغنون ويرقصون، يرفعون هاماتهم في خيلاء ويهتفون.
يمشون وقد تحدبت ظهورهم من الأوزار التي يحملونها، أوزار الحياة التي تنحني من وطأتها الأعناق وتقشعر من هولها الأبدان.
لكنهم في لهوهم وعبثهم لا يلتفتون إلى حقيقة ولا يعيرونها أدنى اهتمام، بل هم في غيِّهم يسعون كما تسعى البُهم وقد تشاكل الإنسان والحيوان.
ذاك زماني يا سيدتي.
زمن الإنسان الذي شاكل الحيوان في شراهته وسفالته السفلى زمن الإنسان الذي تخلى عن ربوبيته العليا ليغوص طائعًا في الوحل والطين.
والسلم معقودةٌ في صميم التراب وليس لها قرار مكين، ولم يزل يتسفل على عبتاتها هابطًا هابطًا حتى أسفل السافلين.
ذاك زماني يا سيدتي.
زمن الذي لا هم في دنياه غير مخادع النساء وما حوت القدور والقوارير فليس ثم ما يشغله في الكون إن هو أشبع فحولته ومعدته.
فلكأن الحياة فراغ ولكأن الكون عدم ومن بعده الطوفان.
ذاك زماني يا سيدتي.
الناس في قافلته الطويلة يتصارعون كالغيلان، وكالثيران، يقتتلون بضراوة الوحوش على امرأةٍ أوكرسيٍ أو درهم.
لا يرون في الكون الكبير الذي لا تحده المدارك وتخشع من هوله النفوس إلا غنيمة كبيرة يود أحدهم لو يستولي عليها دون الآخرين.
يتنازعون على السراب ولا يعلمون، وهم في غفلتهم وهذيانهم يمضون إلى آخر المأساة، غير أنهم لا يقفون ولو لحظة ليتفكروا في الذي بين أيديهم، في هذه الحياة الغريبة المهيبة والتي لا نعلم من أمرها إلا ما كشفه الله لنا.
ذاك زماني يا سيدتي.