فهرس الكتاب
زمن العبث المخيم على النفوس وعتمة البصائر التي بلغت أقصاها، زمن الذين يدعون الحقائق الخالدة تنوح على وحدتها وغربتها في الكون ويتكالبون تكالب الجراد على الضلال والأكاذيب الزائلة.
يتهافتون على الأشكال والصور وينسون مبدع الأشكال والصور وينحتون من ملذاتهم آلهةً يعيدونها ويروجون لها آناء الليل وأطراف النهار.
ذاك زماني يا سيدتي.
زمن الذين دفنوا جوهر الإنسان وجلسوا على قبره يندبونه ساعة ثم وقفوا يعربدون على حوافي قبورهم ولا يعلمون.
ليلٌ يعقبه صباح وصباح يعقبه ليل.
وأنا من أكون يا أيها الرعد القاصف في الليالي الممطرة، من أكون يا أيها الوهج العاصف.
من أكون يا أيها الليل المتثائب على الدروب المقفرة.
فيا ليت لي صوتٌ قويٌّ يقتحم النفوس ويتردد على تخوم الكون كالصدى.
ليت لي صوت قويٌّ يهز السامعين في كل مكان فأحدث الناس بلغة سماويةٍ معطرة، وأروي لهم في ليلةٍ مقدسة عن كائنٍ علويِّ هوى كالصمت في المقبرة.
وغامت الرؤيا فليس في الكون مصباح، والطوفان القديم عاد كرةً أخرى بوجهٍ أكثر ألمًا وحزنًا ووحشة.
وعلى الدروب أشباح وفي الوعور غيلان.
ليت لي صوت قويٌّ يهز السامعين، فأحدث الناس لا بلغة الشعراء المترفة ولا بلغة العلماء الحيية الخفرة ولا بلغة الفقهاء الحاكمة بل بلغة الإنسان الذي أضربه الاشتياق فتكلم.
أواه يا سيدتي.. ليت لي أن أجلجل مثل الرعود ومثل العواصف والبروق فأقصف كالفجر ذي الأنوار، هذي الفجاج وتلك الهضاب وأغسل هذا الوجود وأكنس تلك التفاهات السخيفة المكررة، وأحطم تلك القلاع والأكاذيب المسورة، وأدك أركان الظلام بضربةٍ كالزلزلة ثم أعتذر إلى الله وأطلب المغفرة.
آه يا سيدتي لو تعلمين كم يعذبني الكلام، فليس كل الكلام بسواء.
فبعض المفردات من النار وبعضها من صقيع الصقيع، وفي القلوب ما هو باردٌ كالوكب المنطفئ، وفي القلوب ما هو بركان متفجر يتحدر حممًا ونارًا يمينًا ويسارًا.
فبعض الكلام إذن يغرف من نُتف الثلج، وبعض الكلام يغرف من عيون الحمم.
وأنا يا سيدتي أهرول ساعيًا من الكلام إلى الكلام، أبحث عن لغةٍ وسطى، عن لغةٍ لا كالثلج ولا كالنار، عن كلامٍ لا كالكلام.
أبحث عن كلامٍ من بردٍ وسلام.
شقيٌّ أنا بتعاستي يا سيدة هذا الحديث، بالشوق أحمله كالأمانة التي أشفقت من هولها السموات والأرض، بأوزار الحياة التي تكبلني وأجرها مرغمًا على ثقلها لأطوق بها الدنيا.