فهرس الكتاب
بالشعر ينظمني وينثرني آناء الليل وأطراف النهار، يبعدني ويدنيني يرفعني إلى علياء السموات ثم يرميني، أتلوه كصلوات عابدٍ في موهن الليل وكعاشقٍ يبوح بسره لكائنات لا يراها إلا هو.
لكن الرياح لا تحمل صوتي إلى حيث يُسمع، والناس في دفء مخادعهم لا يسمعون انتحاب القلوب المتوجعة في صميم الليل.
صوتي يا سيدتي مخنوقٌ في كوبٍ لا يُسمع فيه إلى الفحيح، في دوامةٍ ترغي وتزبد تتمزق فيها الحناجر وتتلاشى الكلمات، لكأنني أتكلم من قعر بئرٍ سحيق فلا أكاد أُميز صوتي وفحيح الجدران.
بل أكاد ألاّ أعرف صوتي ألاّ أعرف نفسي في صخب الحياة الذي لا يرتاح إلى نهاية ولا يستنيم إلى لحظةٍ من لحظات الهدوء.
أنا كوكبٌ منفلت يا سيدتي، خرجتُ من مداري ومجرتي لأطارد في الخلاء الأبدي الفسيح نجمةً سرابية يفصلها التيه والتيهور العظيم عني بملايين السنين الضوئية.
معتمٌ أنا يا مليكتي حتى الإنطفاء والوحشة ومتعبٌ حتى التلاشي وحتى الفناء.
أواه يا مليكتي.. أنا سالك الدرب الحزين والتائه الأبدي في الظلمات بلا مسرجةٍ ولا مصباح، وهو الضلال القديم إذن واللعنة الكبرى والوهج البعيد أطلبه وأجري إليه سعيًا والهلع المروِّع يعظم في قلبي حتى الإغماء والهذيان، لكأني يا مليكتي طفل يهرع في غابة ترقد تحت ليلٍ مضنٍ وسقيم وتتراقص فيها الظنون والأشباح.
لكأنني يا مليكتي ذلك الخوف الذي لا ترقى إليه المدراك وليس بوسع أرقى الكائنات حسًا وفنًا أن يطلّع على كهوفه المظلمة.
وإذن فمعذرة إذا خاطبتك بلغةٍ تكاد من وحشتها أن تستغيث فلستُ أجهل أن مثلك لا يخاطب بلغة الكهوف التي طُمرت في باطن الأرض بيد أني يا مليكتي لا أكلمك بلغة الكون الذي أسكنه بل بلغة الكون الذي يسكنني أكلمك بلغتي.. لغة المخاض العسير والمأساة، لغة الطائر الذي يخرج من هامة القتيل لا يفتأ يقول اسقوني اسقوني حتى يشرق بالدماء ويموت مضرجًا بصحيته المفجوعة.
أكلمك بلغتي يا سيدتي.. لغتي التي لا أدين بها لترف الحياة، فلغتي ليست من ترف الحياة في شيء.
أهمُّ بقول كل شيء، بقول مالم أقله لأنسيٍ قط، وبين ما أقول وما لا أقول بُعد المشرقين، ألأنَّ كبت الكلام يورث العيِّ، أم أن رحلة الكلمات من الصميم إلى الشفاه أطول مما نتعلم، فيها تموت كلمات وتحيا كلمات، أم أننا لا ننطق إلا بعض حروف الأبجدية التي يحيط بها القيد، أم أن الشعور لغة أخرى والكلام لغة أخرى وشتان ما بين اللغتين.