فهرس الكتاب
على رسلك فمن يجدف نحو الحق في الدنيا، إنما يجدف في بحرٍ أهلكت أمواجه الأولين واللاحقين، والله يخرج من يشاء من الظلمات إلى النور.
يا أيها الآتي من مكانٍ بعيد، أيها القادم من الغيب..
سمعتك تحدثني عن الغفلة، فما الغفلة؟
قال هي أن تكثر النظر في ظهور الآخرين فتنسى أن لك ظهرًا كظهورهم، وأن تسرف في الحياة فيباغتك الموت.
وكيف لا أغفل ومن طبيعتي النسيان، بل إني لأميل إلى النسيان من الذكر وما من عاداتي الكثيرة عادةً تشقيني كالهوى، فبالهوى عصيت ربي وكنت أظنني لن أعصى، وبالهوى وكأتُ قلبي وذبحته كالأضحيات.. أجل يا صاحبي إنما الإنسان يحيا بالهوى.
قال زدني علمًا بجهلك أيها المسكين وتكلم.. وإن لم تسعفك الكلمات فاجلس وانتحب قليلًا ريثما تستريح وقل ربي احلل عقدةً من لساني. وبارك دموعي فإني قد حملَّتها ما أشفق منه لساني وقصَّر عنه بياني.
والرغبة التي تفتك بالكائن الحي، وشهوة الاندماج في الجسد الآخر حتى الرعشة والموت، وحنين الذكران إلى النسوان، وحنين النسوان إلى الذكران.
قال هو الطين يحن إلى الطين، والرغام يشتهي الرغام، ومن النسوان أمشاجًا من نارٍ وماء، وكذلك الذكران، وكلاهما يطفئ الآخر.
فما الحب إذن ياسيدي البعيد والقريب، والشوق الذي أحمله كالأمانة ووجيب قلبي أسمعه كنواقيس الكنائس البعيدة.
قال فُطر الإنسان على حب الخلود، فلما كان الموت ما انفك يبحث عن خلوده وكان سعيه مشكورًا إذ أخرج من نفسه الحب، والحب كالروح الذي يسري في الكائن الحي، فهو عدو الفناء وأوفى من صحب الخلود، ولذلك فالإنسان كائنٌ خالد، فآدم لم يمت وكذلك الأم حواء، فانظر إلى يمينك أو يسارك أو فانظر بين يديك إن شئت فسترى آدم وسترى حواء، إنك أنت آدم فابحث عن حوائك يا هذا ودعني بسلام.
قلت زدني..
قال يا صاحب الحقيبة، يا أيها الطفل الشقي الذي لازال يبحث في وجوه النساء عن وجه أمه، تلك هي الحقيقة.. أنتم معشر الرجال لاتكبرون أبدًا، فأنتم أكثر خلق الله إحساسًا بالطفولة، بل وبمخاوف الطفولة وأوهام الطفولة، وإذن فليس كحضن الأمهات مكانًا آمنًا تعتصمون به من شبح الحياة.