فهرس الكتاب

الصفحة 787 من 1574

هذا أنا يا سيدتي سيدة السراب والضباب ومليكة الظنون والوهم.

هذا أنا فارسك الذي تضخم في جوفه الحلم فأوحى له ما أوحى.

لقد كان النداء قويًا كالهاتف العلوي وأنا بين الحقيقة والحلم أعيش كالصوفي الذي يرى ما لا تراه العيون ويسمع مالا تسمعه الآذان ويرجو مالا يرجوه الآخرون.

كالدرويش المجذوب أنا لعوالم أراها ولا أراها وحقائق أعلمها وأجهلها وطوائف من الكائنات تسحرني فأتبعها ولا ألحقها.

في البدء كان النداء يا سيدتي في صميم الملكوت الإلهي المهيب، وفي الناس من سمع النداء وكنت أنا ممن سمع.

وفي الناس من باع واشترى، وفي الناس من استاق واشتهى ثم كان الخسران.

وكنت أنا أول الخاسرين... كنت أنا أول من سُلبتْ منه أعلام البطولة ودفعتْ إليه أعلام الهزيمة...

لكنني وأنا أسعى إليه يا سيدتي تماثلت في نفسي ألوان الحياة، فطعم البيع كطعم الشراء وطعم الربح كطعم الخسران وطعم البطولة كطعم الهزيمة.

وأنا أسعى إليك يا سيدتي رأيت العالم في اضطراب عجيب فلا حدود ولا ماهيات لا سماء ولا أرض، لا فجرٌ قدسي ولا ليل موشح بالأسى.

وأنا أسعى إليك يا سيدتي لم أرثيَّ دموعًا ولا ابتسامات لا مراثى ولا أغنياتي لا يطنُّ في أذني إلا نداءك يا سيدتي ولا أرى في مجاهيل الحياة إلا السراب.. سرابك يا سيدتي.

حدثني الهاتف العلوي قال...

يا صاحب الحقيبة الحمراء..

يا أيها البدوي المعفر بالتراب والظمأ والحزن..

إخلع نعليك واقترب...

قلت إني قد تركت قومي يقتتلون في وادي السراب، وكنت أصيخ السمع إلى نداءٍ مجهول، فخرجت أطلبه بكل عنفوان الفتوة والشباب لكنني قد ضللت الطريق، وطفقت أخوض في لُجَجْ السراب.

قال هو السعي الدؤوب، وكذلك تستوي الدواب.

لهفي عليك يا صاحب الحقيبة، إنما أنت ترابٌ يطلب التراب. والقلب الذي يعانق هذي الحياة.. القلب أيها الهاتف؟

والكلمات التي ننفخ فيها من روحنا وأشواقنا، والحب الذي نطلبه من كف امرأةٍ لا نعرفها ونحن يومئذٍ غرباء نطرق الأبواب في آخر الليل. ودماء الشهداء العاشقين أحباب الله، وقد بلغ سيل الدماء الزبى والساهرون على كل نجمٍ، الناشدون في كل غدٍ أملًا وأمنيةً من أماني الحياة.

قال إني أرى في عينيك إشفاقًا لا يليق بمن يسير مع الحياة. أنت أكثر السالكين في الدرب جهلًا يا صاحبي، وأكثرهم خوفًا وحزنًا وإن كنت أقلهم غفلةً وطمعًا في النجاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت