فهرس الكتاب
سأطوي الفجاج بعدك آسفًا وسأمضي فتلك عادتي، وسأحملك ماضيًا جميلًا ومحزنًا مثلما حملتني، ولئن أضناكِ الرحيل وهدّك التعب فلقد أضناني وأتعبني، ولئن أوجعك السُرى وأمضك عقم المتاهات فلقد أوجعني وأمضني عقم المتاهات، ولئن استبدَّ بك الشوق والحنين إلى القطيع والمراح، فلقد قتلني الشوق أو كاد، فأنا مثلك أيتها الدابة الحزينة.... مثلك قد تعبت من الرحيل وسئمت من السفر، وعافت نفسي الطرقات والضرب بغير هدىً في صميم البوادي والفلوات، مثلك يا صاحبتي أشتاق وأشتهي ساعةً على ضفة نهرٍ أو ساحل بحر أو مرجٍ أخضر مثلك أيتها الرفيقة البائسة يكاد يقتلني الظمأ والشوق إلى حضن أمي وراحة أبي.
مثلك يأخذني الحنين إلى البعيد البعيد، إلى الغدران والبحيرات، إلى البرك الخريفية ببجعاتها ورهواتها، إلى السدر والسيال والحراز والكتر واللالوب والريحان النابت، والطلح والطنضب والأراك على جوانب الخيران والمستنقعات مثلك يا صاحبتي يأخذني الحنين إلى صبايا لاهيات، وعجائز ينسجن الشمال وشيوخ ينحنون للماضي في خشوع ويتذاكرون أيامهم في ظلال الرواكيب.
أواه أيتها الدابة البائسة... أواه يا صديقتي الحزينة فلست أعاتبك إذ وقعت في براثن الردة والكفر بالسفر، كلا يا عزيزتي فلست أنا من يحاسب على الكفر بعد الإيمان، ولست أنا من يعاتب الصديق إذا ما توقف يومًا في منتصف الطريق.
بيد أني أيتها الدابة العجوز.. أيتها الرفيقة المتعبة... ما تعودت الوقوف طويلًا أمام المرآة لأرى على وجهي أخاديد الطريق وعبرة الفجاج والسفر بل ما تعودت أن أرثي لنفسي أو أفرح لها فلست أعرف معنى الرثاء ولست أعرف معنى المديح أو الهجاء.
بل لا أفرق بين الخُسران والربح، والهزيمة والنصر والحقيقة والحلم لا أفرق بين الأضداد فسيان عندي كل شيء.
فلربما آخذ أنفاسي وأستريح بين أفياء ظل يتيم وسط جحيم الصحراء غير أني عاجلًا أم آجلًا أمضي، فتلك شيمة من يبحث في الأرض عن وطن... وواقع الأمر أن لا وطن فوق التراب أو تحت التراب سوى القبر والكفن. لكنه الحلم أيا دابتي العجوز... الحلم الذي أقلك وأقعدك وقادك وأوقفك والذي سيظل يقلني ويقعدني ويقودني ويوقفني، وسأظل ألهث خلف سرابي الذي يناديني ويسحرني وأعلم أنني لن أصل غير أني أكره الوقوف ولو أن المضي لا يقود إلى للهلاك.
هذا أنا يا مليكةَ الأشواق التي ملّكتها أزمّتي وألقيت في مجراها سفينتي وأمانتي.