فهرس الكتاب

الصفحة 785 من 1574

أتأذنين يا سيدتي لفارسك الحزين أن يلقى على سموك آخر النشيد وآخر الهذيان، فالسفر إليك لا ينتهي والحرب لم تضع أوزارها بعد ولكنها استراحة المحارب التي لابد منها، استراحة الفارس الحزين الذي ظل يجالد الطواحين والغيلان والأشباح حتى تثلمت سيوفه وتكسرت رماحه وكلَّتْ سواعده.

أتأذنين يا سيدتي لفارسك المحارب بوقفة قصيرةٍ بين يديك ثم يضرب في الأرض راحلًا كعادته، فليس لنهاية الرحيل أجلٌ معلوم، والسفر الأبدي يبدأ منك وينتهي إليك وما بينك وبينك خلاء أبدي متسع وفسيح، وبيدٌ موحشةٌ تسكنها الغيلان والأشباح يهلك فيها الراحلون ظمأً وإشفاقًا وخوفًا.

سلامٌ على البيد التي طويتها والبيد التي لم تزل أمامي...

وعلى السفائن التي ألقت مرساها وعلى التي لم تزل في سيرها ومجراها، سلامٌ على الدروب التي سلكناها والبيوت التي هجرناها، والدموع التي ذرفناها.

سلامٌ على تلك البوادي وكهوف الجبال، على الوديان بقفرها وخضرتها ويباسها وخصبها، على كل غورٍ ومنحدر وكل جرفٍ وتل.

على عرائش الليل المتلبد المزحوم، وعرائس الفجر بين مقاصير الأرض والسماء ومرابط أفراس النجوم والنجوى والنكد الطالع من سديم السديم....

على الصحراء والبحر والإعصار، والريح التي تعصف والغمام والمطر. على البرد يحثو جلود الغرباء صقيعًا ووجعًا ووحشةً وقنوط، على نشيج البكاء يخنقنا كأنشوطة متدلية من سقف بعيد أو أرجوحةٍ من أراجيح الشياطين سلامٌ على ماضى وما سيأتي، على ما كان وما سيكون.

سلامٌ على الأحزان التي تبخرت واندثرت وتلك التي ترسبت فأضحت في قرار مكين.

سلامٌ على الخطا التي مشيناها والخطا التي سنمشيها، على الأناشيد التي تلوناها وتلك التي سنتلوها.

على الأكنة الصمّ التي جلوناها وتلك التي سنجلوها.

سلامٌ على مافات وما سيفوت، على السراب الذي أضلَّنا والسراب الذي يتربص بنا.

وقالت دابتي التي حملتني إليك قفرًا بعد قفر... أنِخْنِي يا ذا المتشرد الذي ليس لغربته نهاية... فهذا مناخى وهذا مراحى والسلام.

وقالت .... ترجل عني يا صاحبي فهذا أول السراب ثم بركتْ.

بسم الله طاب مناخك ومراحك فابركي واستريحي وارتعي...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت