فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 1574

أخذت الكمائن المنظّمة المدربّة تقلق العدو الفرنسي، ولعل أكبر كمين قادة الشيخ محمد سعيد من مركزه في /عياش/ فقتل اثني عشر ضابطًا فرنسيًا كانوا متوجّهين لحضور اجتماع مهم، وعندما اتهّم المكتب السلطاني بهذه العملية أخذ يضيّق على الطلبة والمدرّسين الذين تحدّوا الحصار، وخرجوا بمظاهرة صاخبة أحرقوا فيها العلم الفرنسي، ورفعوا علم سورية، وعندما حاول الجنود الفرنسيون تفريق هذه المظاهرة الضخمة بالقوة، أحرق الطلاّب عددًا من سيّاراتهم، وقتلوا ستةً من جنودهم، فاستخدم الفرنسيون القوة، واعتقلوا الشيخ محمد سعيد ونفوه، بينما استطاع الشاعر الفراتي وعدد من المدرّسين الفرار إلى العراق، وتخفّى ناظر المدرسة في قرية تبعد سبعين كيلو مترًا عن المدينة، غير آسفين على تسريحهم من الخدمة، ولا مكترثين بالأحكام الصادرة بحقّهم غيابيًا، وغدا عام 1928 عام النضال الحقيقي ضد الفرنسيين المحتلّين، كما غدا عام النكبات والمحن، إذ زمجر الفرات غاضبًا فجرفت ألسنته الصخرية كلّ المؤن، ودمّر ملاعب الأطفال، ومجالس

الشيوخ، واستراحات النساء، وتخطّى بضع درجات من بيت أبي ياسين، ومنع ساكني البيوت من الخروج، وعلت أصوات المتشاطئين: (أبو عبّار غرق) . فقد أراد هذا الرجل الشهم أن ينقذ أناسًا ومراكب وأمتعة، فجرفه التيار ولم يترك له أثرًا، حتَّى إن الفيضان في تلك السنة سمّي باسمه، وأصبح أبناء دير الزور يذكرون بألم تاريخ الرابع والعشرين من نيسان عام ثمانية وعشرين وتسعمائة وألف ذكرى (فيضة أبي عبّار) .

قال علي بك لجلساء مضافته العامرة:

ـ أتدرون يا إخوتي أن فرنسا بدأت بإنشاء جسر جديد على نهر الفرات، وقد صممه مهندس فرنسي لم يصمم مثله إلا جسرًا واحدًا، اشتروه منه في سان فرانسيسكو.

قال الأستاذ ثابت مستهزئًا:

ـ إنهم يريدون الجسر لتنفيذ مآربهم، وتحقيق مصالحهم، وتيسير أمورهم التي أربكها مناضلو خشام والطابية والمريعية وما حولها... صدّقني يا أخي، عندما تنتهي مهمّتهم بهذا المكان سيدمّرونه.

ـ لنتركهم يا أخي الآن يُنشِئون هذا الجسر، ولا ننسى أنّ من سيبنونه هم أبناء اللواء وليس الفرنسيون، ومهما كان الأمر يبقى هذا الجسر لصالح أبناء اللواء الذين سيعرفون جيدًا كيف يمنعون تدميره.

ـ سنكون لهم بالمرصاد إن حاولوا استغلاله ضدنا، وسيجد الفرنسيون منا ما لا يسرّهم.

ـ ما أخبار ناديك الثقافي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت