فهرس الكتاب
ـ يا أبا محسن، نحن متعاقدون في النضال …ضدّ فرنسا، وشهداء اليوم من ثلاث عشائر، وهذا دليل تعاقدنا.
ـ صحيح، لكن المساوئ مازالت.
ـ اتركها للزمن، فهو كفيل بدفنها.
قال الشاعر الفراتي:
ـ سيقوم المكتب السلطاني غدًا بمظاهرة صباحية صاخبة نشيّع من خلالها شهداءنا، وسندفنهم في مقبرة الشهداء، فهل توافق؟
قال علي بك:
ـ كيف لا أوافق، وسأكون في المقدمة إن شاء الله.
قال أبو محسن:
ـ أنا وإخوتي وأبنائي سننضمّ إليكم إن شاء الله.
لم تكن مظاهرة المكتب السلطاني مظاهرة عادية. لقد خرجت دير الزور على بكرة أبيها تهتف بحياة الوطن وبسقوط فرنسا.. المدرّسون يحملون اللافتات القماشية المعبِّرة، والطلاب قَدْ حملوا الطالب جلالًا الذي ما انقطع هتافه طوال المسيرة، وثمّة نساء تجمّعن في زوايا الشوارع يزغردن.
استمر سير ا لمسيرة حتى مقبرة الشهداء، حيث وارى المناضلون جثامين رفاقهم، وقد أقسموا على الثأر لهم، ثم عادوا بالحماسة نفسها التي جاؤوا به.
بقيت دير الزور تمور غضبًا وهيجانًا، فقوافل الشهداء لم تنته، والمقبرة على رحبها ضاقت بهم، فقرروا توسيعها من جهة الشرق والغرب، وإحاطتها بسياج من الأشجار الحراجية، وتطوع أحد المناضلين برعاية الأشجار وحمايتها.
قال علي بك لجلساء مضافته:
ـ يجب أن تحذروا العملاء،إنهم أخطر من العدو المحتل، فالعدو نعرفه، أما العملاء فهم يتخفّون بأزياء لا تخطر على البال.
قال أبو ياسين:
ـأليسوا هم أنفسهم الذين ارتضوا أن يعملوا في جهاز الاستخبارات الفرنسية؟
ـ لا يا أبا ياسين... العملاء أفدح خطرًا منهم، قَدْ يجلسون معكم دون أن تعرفوا هويتهم.
ـ وكيف لنا أن نعرفهم؟!
ـ لا تجالسوا أحدًا غير أعضاء الخلية، أو من تثقون بهم، وإيّاكم أن تتحدّثوا بأمور السياسة والحرب أمام أحدٍ، فتأمنوا شرّهم. واصلوا كمائنكم ضد الفرنسيين كما اتّفقنا. اضربوا واهربوا كحرب العصابات، فالعدو لا يخشى شيئًا سوى هذا النوع من الحروب.