فهرس الكتاب
كالطفل يعود مسرىً وما استيقنت أمه.. أما زال في بطنها أم وليد؟ قال هو الحرف إذن لم يزل يئد الأحاسيس حتى أضحت صحفًا موضوعة، وبلاغةٍ مصنوعة، وعبارات كثيرة تتداولونها فيما بينكم تداول المتاع، تحملونها ماشئتم من ألوان الزينة والبهرج فتُخدعون بها وتظنون أنكم قد أتيتم بجديد، وما هو بجديد، إن هو إلا التكرار مستترًا تحت غطاءٍ لا يلبث أن ينكشف لمن أوتي فهمًا عميقًا وبصرًا جديدًا.
قلت هل يعقب شتاء الكلمات هذا ربيع فيه يزهر الحرف ويخضر؟
قال بلى إذ ليس الشتاء فصلًا سرمديًا، وكذلك الربيع والصيف، إن هو إلا غفوة الطبيعة، على رحابة الكون، واستراحة الشجر الحمول على وسائد الدنيا، وكذلك تحيا الرياحين والأوراد ما بين تألقٍ وذبول، إذ ليس الموت عدمًا، كما أن الشتاء ليس بخاتم الفصول.
هل أسرد على سمعك فصلًا من شجن الكتابة...؟
قال تكلم فأنا مصغٍ إليك، هاتِ أسمعني ما تقول الكتابة بين كآبتي وكتابتي أهاجر كالدراويش في الحضرة المشهدية، وكثيرةٌ هي العيون، ويا لفتنتها، لقد مسني منها ألمٌ عظيم، فسلامٌ عليها بقدر قسوتها علينا، سلامٌ على تلك العيون.
سلامٌ على ما كان وما سيكون، سلامٌ على غرباء الدنيا من كل أرض وعلى كل فجٍ يكونون، سلامٌ على غرباء الحياة حيثما كانوا في بلادهم أم في بلاد الآخرين.
سلامٌ على تلك العيون...
والشعر الذي يشرب من أريج الضفاف البعيدة، الشعر الذي لا يتوسده الرجال العابرون، والشفاه الطافحات بالخمر، الشفاه التي كأنها خضبت بدمانا ونحن ميتون.
ونحن الحالمون في كل منفى بآنسةٍ لها شكل الوطن.
ولقد يسري إلينا النسيم بعطرٍ ذات مساء، ولربما نسمع وسوسة الحُلِّي مشربةً بحفيف ثوبٍ تعابثه الرياح، أو ربما تلتقط أسماعنا صدفةً عبارة حبٍ على أثرها أغنية لعاشقةٍ من زمنٍ رومنسي غبر.
ولقد يباغتنا الحب كما باغت النهر ساكن الضفاف، فيفيض على قلوبنا ويغمرها ونحن يومئذ غرقى، واليوم لا عاصم من أمر الله.
لكننا في الصباح الآتي وقد بدا لعيوننا السراب، يمر بخاطرنا توًا أن الحياة كلها محض سراب، فالعطر الذي نستافه في الأصيل وهم، ووسوسة الحليّ وحفيف الثياب وهمس العذارى محض وهمٍ وأضغاث أحلام، وسنذكر فقط، أنه بالأمس الذي مضى، في مساءٍ لا كالمساء عبرت بأكواخنا الحقيرة، فاتنةً حمراء... حمراء... حمراء.
ولأنني غريب، ولأنني بلا وطن، أبالغ في حبك يا صاحبتي.