فهرس الكتاب
ففي مكانٍ ما من ظلمات نفسي أحمل بيتًا فسيح الجنبات، وامرأةً في داخل البيت تطهو الطعام، ولها وجهٌ يضيء.. ربما هي النار تصطخب من تحت القدر ألقت عليها رداءً من الوهج، أو ربما هو نورٌ من عند الله.
وضريح الشيخ الكبير أسفل البيت... أين من عينيَّ ذاك الضريح.
لقد قيل لي فيما مضى.. إن الشيخ أوراده وصلواته المحمدية، ثم مات وكأن لم يمت وهو لم يزل رهن مصلاته العسجدية، ربما كانت في نفسه وهو يجود بها رغبةٌ بأن يُدفن قريبًا من دفء البيت، لكنهم في مطلع الصباح حملوه على تلك الآلة الحدباء، وقصدوا به مدينة الأموات عند ذلك الوادي.. أسفل البيت.
في مكان ما يا صاحبتي.. أخبئُ خارطةً لوطني، حتى لا يُقال أني بلا وطن، حتى إذا الشرطي في تلك البلاد التي ننزح إليها مرغمين، ألقى على وجهي الشتائم وعيرني بأني بلا وطن.. تبسمتُ ضاحكًا من جهله، ومددت يدي إلى مخبأي الصغير، فإذا الشرطي يُصعق من هول ما يرى.. إذ يرى كيف أخرجتُ من مخبئي الصغير، وطنًا جميلًا بحجم هذا العالم الكبير.
ولأنني أبالغ في حبك يا صاحبتي، فأذني لي بأن أطويك طي الشراع كخارطة وطني الكبير، ثم بسم الله أدخلك مدخلًا طيبًا في قدس أقداسي حيث لا تجوعين ولا تظمئين، ولن يعرف جسدك الصغير فقر الثياب ولا الحر ولا الزمهرير.
قيل أي لعنةٍ تحل عليك في كل ليلةٍ يا خادم القلم.
وأنا أمين سر الدفاتر، وصاحب الدواة الأمين، وخادم القلم. فمن أين أبدأ يا حبيبي، وحديث الصحبة وادٍ ذو شعب.
هل أبدأ من حيث التقينا، ذاك لعمري حديثٌ يطول، فكلانا كان في الحب فقيهًا مُعممًا، وكلانا في الحب مدرسة، ومذهب وإمام لكل العاشقين. أَوَتَظُنني قد بدأت، فخذ بيدي إذن لكي نمشي معًا على السراط المستقيم، وتوكل على الله يا حبيبي، كذلك دأب العاشقين.
ورثنا مجد عنترة بن شداد، إذ أحب عبلة بنت مالك، فكان حرًا وهو يرسف في الأغلال حينًا من الدهر.
ورثنا جميلًا، وقيسًا، وكُثيرًا، ووردًا، فكيف إذن تدهمنا السنون العجاف وفي أهرائنا هذا الحب والمدد.
مدد يا قلمي مدد..
فلن أكف عن الحب مدى الدهر.. مدد.
ولن أكف عن البوح بالحب، إلاَّ تبح بالحب تمت، فإنما بالبوح يحيا الحب، إنما بالبوح يحيا الحب.. مدد..
مدد يا قلمي مدد...
فأنت رافدي حين تشيخ الطفولة في ملامح الأفق، وحين يعتزل النهر المسير وتأبى السماء نزولًا بكلمات المطر.