فهرس الكتاب

الصفحة 792 من 1574

وأنت شاهدي حين يؤرقني سهاد الحب في صميم الليل، وحين القلب يئن موجوعًا من ألمٍ مجهول.

وقيل حسبنا الله لو يعلم الناس كيف حال الحالمين.

والرجال المؤمنون ألقت بهم القافلة التي تضرب في وهاد السديم، على تخوم العالم الذي يحكمه التجار، والفئة الباغية من نساءٍ كالسحالي، ورجالٍ لا كالرجال. الرجال المؤمنون ألقت بهم ها هنا القافلة، على تخوم العالم الذي يفر من جحيمه الأبرار.

ثم درجوا يلهون بأيامهم مثل كل البائسين، والمدينة خلية نحلٍ شطرت إلى نصفين، في نصفها الأعلى مساكن الفجار، وفي عتمتها السفلى منازل التعساء والأبرار.

والقوم يجأرون (لا إله إلا الله) لكنهم لا يعبدون الله،

(وربما كنت تفكر فيمن يعبدون) ، لكنه حتمًا غير الواحد القهار.

وكان المؤمنون غرباء، يدقون النوافذ والأبواب، ربما كانوا يبحثون عن وطنٍ ومأوى، أو ربما كسرة خبز أوشربة ماء.

لكن نساء المدينة اللواتي يشبهن السحالي ما تعودن إطعام الغرباء. والصبية الأشرار في مفارق الطرقات، يلقون على وجوههم الحصى والحجارة لكنهم كانوا يسامحونهم ويستغفرون الله لهم.. ويستغربون كيف لم يتعلموا في مدارسهم حب الغرباء.

بيد أنهم وهم يعبرون، يُفاجأون بأن ما يفعله الأبناء هو نفسه ما يفعله الآباء، وعندئذٍ ينظر بعضهم بعضًا، ويدركون أنهم حقًا غرباء.

لكنهم يحبون على كل حال، فلقد يعيش الإنسان كما الأشجار بالشمس والماء، يضحكون كثيرًا، ويبكون كثيرًا، ويفرحون ويحزنون، وقد يغامر أحدهم فيحب... أجل يحب، وليس أصدق من غريبٍ يحب.. فَتَرحّمْ يا هذا، واستغفر لذنبك.

وقيل سجا الليل فكأنه حيت وقفت عيناه في دهشة الرحيل والذهول سجى الليل...

والساهرون في كل نجمٍ هذا أوان أوبتهم، فهم لأراجيح الطفولة عائدون، يتوسدون ذكرياتهم، ويغبضون على أحلامهم خوفًا من زائرٍ مجهول، وينامون... ينامون.

سجا الليل...

وآبت كل نفس لصاحبها أوبة الوليف الحنون.

آبت كل نفسٍ، والرجال المتعبون في سبل الحياة، الضاربون ضرب العير في الصحراء، الواقفون على كل بابٍ وقفة المملوك الذي هدَّهُ الشقاء. وهذا أوان أوبتهم، هذا أوان راحتهم.

والجنود المحاربون، الرجال الذين يعملون في بسالة، الرجال الذين تنازلوا عن حصتهم في النكات الخبيثة وأحاديث البطالة.

هذا أوان استراحتهم، في الخندق الحنون.

سجا الليل...

والشباب الخائبون البائسون، الشباب الذين يقفون كلافتات الطرقات يعابثون العابرين... والغاديات الرائحات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت