فهرس الكتاب
الشباب الذين لا يعملون، الذين لبطالتهم عابدون، وعلى السخافات عاكفون على أرصفة المقاهي، وظلمة الحانات.
هذا أوان أوبتهم، فهم مرهقون، ولسوف ينامون.
سجا الليل....
والراجفون من وجلٍ، والساهرون من وجع الحياة...
إلى متى سيسهرون؟
قل معي حتمًا تزول كآبة الأرواح، ولا محالة نائمون.
سجا الليل...
والرجال الشرفاء المرهقون، من الحقول والمراعي عائدون...
وانحدرت بهم الدروب نحو بيوتهم، فرحين بما آتاهم الله، ويستبشرون. وهذا أوان أوبتهم.
سجا الليل...
والرجال الشعراء يبعثون في كل أمةٍ كما يبعث الأنبياء.
وهذا أوان وحيهم، تتنزل عليهم الكلمات في كل حين
سجا الليل...
وفي البرية الخضراء راعٍ على فمه مزمار...
والنوق العصافير تهجع في المراح...
تمضغ السكون في استجرار.
ولقد يبدد الصمت أحيانًا، صوت ناقةٍ تحنُّ في شجن..
يحاورها في الطرف القصي حوار.
وهذا أوان الحنين، والناي المعذّب في القفار، هذا أوان الحنين.
سجا الليل...
والنساء الضامرات يمرحن في بستاننا الشعري كالجديان...
الزاريات بنا من قمم الرجولة...
الهاويات بنا من أوج الفحولة...
إلى المشهد الليلي.
وهذا أوان البطولة، هذا أوان البطولة.
سجا الليل....
ووجوه النسوة اللائي كُنَّ بالأمس عابرات...
خلّفن في أرواحنا الغبار والصدأ..
وضربن في الأرض سعيًا، وهنَّ الضاربات
يتركن في آفاق الرجال ذكرى
"فهنا كان وجه جميلة راحلة"
يا لقلبي من نساءٍ راحلات
وذات عجزٍ تمشي على استحياء
فكأنها الماء يمشي على الماء""
وهذا أوان الذكرى.
سجى الليل..
وفي أزقة الليل يتجول العشاق الساهرون، ضربوا موعدًا لحبيبة لا يعرفونها وهي تجهل من يكونون.
يشافهون الأنوار في معاقل النجوم، والظلال إذ تبدو لوحشتهم يخالونها من وجدهم طيف إنسان.
والشموس السابحات في المجرات البعيدة، قاب قوسين أو أدنى من قلوبهم فهم لها ناظرون، وهذا أوان القربى.
وقال الهاتف العلوي... الليل يسجو وتهدأ الأرواح.
والصبح يدنو، إني أسمع لتنفسه كما أسمعك الآن..
الصبح يدنو، ولسوف يغمر الدنيا بفيضه الإلهي الرهيب...
ولسوف يمشي متنفسًا على تلك الجبال، وتلك الروابي، وهاتيك البطاح.
في الأحلام، وما الرؤى، إن كنتم للرؤى تعبرون...
كذلك كان في البدء آدم...
وأنتم لآدم وارثون.
قال ما تظن أنك فاعلٌ باليراع؟
قلت عبثًا أوقد النار في شتاء العيون الذابلات..
وعبثًا أنفخ فيها من روحي، وعبثًا أخاطبها بلغة القرآن..