فهرس الكتاب
تنظرون إليهم وشفاهكم تمضغ أعقاب السجائر، وأياديكم تعابث عاهرةً بجواركم علمتها الأيام كيف تكون لافتةً من تلك اللافتات.
تذكروا أنكم ستموتون كأتعس الفقراء، بل كالدويبات الصغيرة
التي تدهسونها وأنتم في نشوة الحياة...
تذكروا أنكم تموتون كما يموتون، ولسوف تُدفنون كما يُدفنون،
بالتراب الذي تكبرتم عليه وغركم بالله الغرور
تذكروا...
يومئذٍ لا ينفع مالٌ ولا بنون.
قلت وما الموت...؟
قال يا صاحب الحقيبة...، إنك ميت والناس ميتون، فأحبوا موتكم
إذ ليس موتكم هو العدم كما تتوهمون.
اعلم أن الناس لا يخافون من الموت، ولكنهم يخافون من الذي بعد الموت، ذاك الغموض الذي يجهدون في تصوره فلا يفلحون، ذاك الغيب المجهول الذي يخافونه. بميراث طفولتهم، وما ترسب في لا وعيهم من حكاية الأشباح والغيلان والعفاريت، ونواح النسوة اللائي يندبن في المآتم، وثيابهن السوداء والبيضاء التي فُصلت خصيصًا لتمثيل المآسي والفجائع والأحزان.
يا صاحب الحقيبة...
الناس إذ يقفون فجأةً أمام وجه الموت، وينظرون إلى القبور بشواهدها وصلبانها، يفتحون على عجلٍ كتاب حياتهم أمام أعينهم في الحياة الدنيا فيرون ما يرون من خير وشر وسعادةٍ وشقاء، وإذا بأعمارهم تبدو لهم مثل شريط سينمائي يمر بسرعةٍ مدهشة، وينظرون إلى فصول حياتهم تتعاقب على دولاب الحياة، أطفالًا فشبابًا فكهولًا فشيوخًا فـ....
وهنا يقفون مذهولين عند نهاية الشريط، وتلك هي القضية، البعض منهم يهز رأسه بعنف، ويغرق نفسه في لجة الحياة حتى الغفلة، ويوهم نفسه بالنسيان خوفًا من مجرد التذكر، ويعلل نفسه بالمال والزوجة والولد، ويبالغ في الحب وطلب الحب، فهو يطلب النجاة و لاسبيل إلى النجاة، ويطلب الخلود في الحياة الدنيا ولا سبيل إلى الخلود، فتراه يسعى في كل السبل، وكذلك يسرف في الحياة.
وبعضهم يمعن في الخوف من الموت حتى الهذيان والمرض، وهذا هو عين الموت، بل قل العدم.
هؤلاء هم البؤساء حقًا، لا يتأملون ولا يتفكرون، ولا ينتصحون فيرشدون.
يغرفون نفوسهم في الخمر والشراب طلبًا للراحة النفسية وهم واهمون.
ينهشون في أجسادهم ويأكلون من أكبادهم، ويسخرون من كل ما لا يوافق سفالة أغراضهم إمعانًا في الغياب كل الغياب وصولًا إلى آخر الغيبوبة.
تسألهم فيقولون هو الملل، هو الضجر، هو الإحساس بلا جدوى الحياة، هي الكآبة العمياء والإحساس بالفجيعة والفشل.
ولكنهم في دواخل نفوسهم لا يعنون سوى الخوف من الموت.