فهرس الكتاب

الصفحة 797 من 1574

فحيثما كنتِ أيتها البعيدة البعيدة، سأرنو إليك باسترسال عاطفيٍ رهيب.

فأنا أقرب إليك من كل الأقربين، الذين إلى جوارك يجلسون، ولأحاديثك العذبة ينصتون، وبعطرك الخمري يسكرون فينتشون ويعربدون، وإلى طفولة وجهك ينظرون، فتبتسمين ويبتسمون.

أنا أقرب إليك من هؤلاء جميعًا...

فهؤلاء زمرةٌ من النخاسين، بُعثوا من زمنٍ مظلمٍ مندثر، صَغُرتْ عيونهم وضاقت، فإذا الكل في اعتقادهم تجارة، قابلة للربح والخسارة.

فالقوم لايفقهون في الدنيا سوى البيع والشراء، فإذا بسطوا يدًا للعطاء، بسطوا الأخرى لرد العطاء.

أو تظنين أنهم يعرفون معنى الشكر، أو تظنين أنهم يقيمون وزنًا لحمدٍ أو ثناء...؟

لذا فهم لا يرونك إلا قطعةً من لحمٍ طري، فليس في شرعتهم شيء بلا ثمن، ذلك منطق السوق، وتلك سنة التجارة.

ولسوف يحسبون كم تساوي عيناك من الدراهم، ألا ما أشطرهم على العد والحساب.... وإن كانوا أبلد خلق الله أجمعين.

ولسوف يَزِنُونَ بَسْمَتُكِ بقدر معلوم، ولربما يبخلون، فالبخل في شرعتهم غير مذموم.

وللجيد الأتلع ثمن...

وللنهدين الأقرنين ثمن...

ولمحيط خصرك ثمن...

للشعر المستفيض، للشفتين، للكتفين، لليدين، للأنامل التي أُحْكِمَ صنعها من عند الله.

للرجلين ثمن..

للردفين ثمن....

لكل ما خلق الله.

وقيل يخرج الشعر معجونًا بدماء العاشقين.

فلون الشعر أحمر، ولواؤه أحمر، وأرضه حمراء مثل كوكب المريخ.

وأنا ولد الصحراء، خرجت من باديتي وقومي، أبحثُ في زرقة عينيك يا حبيبتي عن ذلك الكلأ والماء.

عن تلك الينابيع الصافية التي سمعت بها، عن تلك البحيرات والغابات ولؤلؤ البحر.

إني أطلب الشتاء في عينيك يا حبيبتي، أطلبه جليدًا يغطي البرية والجبال، أطلبه مطرًا يتحدر به السحاب، فيهمي علينا، نحن والأرض تشتهي غفوة الخريف.

يا لعينيك يا حبيبتي ما أوسعهما، إني أطوف فيهما منذ ملايين السنين. إني أبحث عنهما قبل ولادتي، وبعد ولادتي، والخُطى تدفع الخُطَى، ولا زلتُ في بداية السنين.

إني أرى في عينيك يا حبيبتي جنات عدنٍ، وبساتين السماء والفردوس، والكوثر العذب وأنهار اللبن والعسل والخمر، والسندس الأخضر والياقوت والمرجان والاستبرق، والكأس التي مذابها الكافور والزنجبيل، والنور الذي يسعى، والرضى.

إني آنست في عينيك يا حبيبتي طفولتي تدرج عاريةً بين الخيام وبيوت الشعر، ورسوم الديار على التلال يعلوها السراب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت