فهرس الكتاب

الصفحة 798 من 1574

(فهنا كانت أمي توقد النار، وهنا كان أبي يقيم الصلاة، هنا كنا ننام أنا وأخي.. هذا مضجعنا، هنالك كان المُراح، وتلك الأوتاد التي ينخر فيها السوس كانت لبيت خالتي، وهنا كانت تلعب ليلى وهند وفاطمة وزينب، وهنا كان يقف محمود يعاتب أحمد ومن ذلك الجرف كان يقفز زيد وعمر وكليب وعنتر.

وقيل هذا البدوي يمتطي بعيرًا ويسأل في المدينة عن بعير...!!

ها هو يوقف سيدةً على قارعة الطريق، فيسألها عن حي بني الوبر، وخيمة سيدها قيس بن عاصم.

انظروا إليه... إنه لا يفهم كيف لا تعرف سيدها قيس بن عاصم المنقري...

ويستغرب كيف لم نسمع بأهل الوبر.

ترى... أين نام كل هذه السنين، ومن أي الكهوف أتى.

أفلا ينظرُ إلى الناطحات تسد نوافذ الهواء، وتنمو كالمرجان والسرطان في لجة البحر، وليس لها من أمر الله عاصم.

أو لم يستنشق رائحة البترول تفوح في أم القرى وكل العواصم، وقد نفد الهواء من صدورنا واحترقنا، إذ ليست الآبار آبار عاصم، والحي لم يعد لعاصم وإن كان شيخنا في الوزن (جاسم) جاثم.

وقيل أيا قومي ضيعتموني.. ضيعتموني والربع خالٍ أحن إلى ديار بكر بن وائل، أحن إلى عمتي ليلى وخالي وابن خالي، أحن إلى خيمة الشعر ونار القِرَى، والضيف أقبل ممتطيًا حصانًا أبلجَ كالصبح عربيًا كريمًا شامخًا كالجبال، .... ذاك عمي.. هو عمي رادفًا بنت عمي، ألا فانزلا، وأنت يا هند دونك خباء أمي... وترجل أيا عمي الغالي.

أحن إلى الفجر يبعثني من نومي فأصحو.. وتلك عفراء وبثينة أمامي... وذات الخال والخلخال، والشعر منظومًا يمر بخاطري فأصبو...

أحن إلى ديار سلمى والصبابات البكر في الأعصر الخوالي.

أحن إلى ربعي.. بيد أن الربع خالِ.

وقيل نهارات الصحو التي تعقب أيامًا من المطر، ونكهة الرمل الملبّد بعطر السحاب والرياح اللواقح التي تسري بعبير الأرض من الضفاف إلى الضفاف... تبعث العشاق من قبورهم، فيهرعون مستيقظين من البيات الشتوي الطويل.

وانتشروا فرحين بالنعيم والميلاد، وفي النوروز قيامة الحب، ويوم جزاء العاشقين.

والكون ينبوعًا يتفجر عذبًا وزلالًا وسائغًا لذةً للشاربين، والحوريات العاشقات الناعمات المترفات الآنسات في كل واد ينتظرن القادمين، ويغتسلن في الينابيع الفتية، والأجساد في داخل الماء يومئذٍ كالبلّور، ثم وقد تعرضت لحرير الشمس مائساتٍ ضاحكاتٍ فهنَّ إذن قد ذُبنَ كالشمع في لجة النار والنور، ثم استوينَ على الظلال الرحيمة في الفلاة، حالماتٍ بقدوم الغائبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت