فهرس الكتاب
والرهوات البيض في تلك البحيرات، السابحات على الفضاء الواسع وفي القلوب كالنجوم وكالشموس وكالكواكب وكالمجرات.
الرهوات الفاتنات في تلك البقاع، يرتعينَ في الخمائل والروح، ويأكلنَ من الأعشاب والحشا، ويمرحن في الوديان والوجدان، فإذا ما استدارت الشمس للغياب في أقصى المجرات، وتوارى الحرير والنُّوار والسحر في جوف الظلمات. إذا ما أقبل الليل في تلك الفجاج، يستوحش من أشباحه العاشقون والعاشقات.
وقيل تُحبس الأنفاس حينًا من الدهر، والبحيرة تغفو ومن فوقها الدجى، وسنة النوم لا يقاومها جموح النهر، وكذلك الغابات، والأرخبيل وتلك الرُبى والبطاح، بيد أن الظلام ليس سرمديًا و الفجر يعقبه الصباح.
قلت أوصني.. إني أراك من الناصحين.
قال أو تحفظ وصيتي؟
قلت بلى وأقسم على ذلك.. والذي نفسي ونفسك بيده.
قال كفاك حمقًا و لاتقسم، فلقد أقسم الإنسان بربه ولربه ثم كفر.. فكيف تعاهدني وما أنا إلا أنت...، وإني لأظنك تخون عهدي.
قلت لا والذي نفسي ونفسك بيده، أوصني فستجدني إن شاء الله من الحافظين.
قال كن أنت ولا تكن غيرك، فغيرك ليس أنت، وأنت لست غيرك.
كن أنت ولا تقتل نفسك في التشبه بالآخر، فذلك هو الانتحار، ذلك هو الموت.
كن كما خلقك الله، فأنت الفرد الفريد، وأنت الشخص الوحيد، فلقد خلق الله قبل مولدك آلاف الملايين من البشر، ولسوف يخلق بعد موتك آلاف الملايين من البشر، لكن واحدًا لن يكون مثلك تمامًا لامن قبل ولا من بعد، فأنت آية الله دلَّ بك على قدرته وسعة ملكه.... قل، فتبارك الله أحسن الخالقين.
كن نفسك يا صاحبي، فليس بوسعك أن تكون إلا أنت، ربما تتشابه الأشكال والصور، وربما تتلاقى الأخيلة والعواطف والأهازيج والأحلام والفِكَرْ، ربما وربما وربما... لكن ستظل نسيج وحدتك أيها الإنسان مدى الحياة ومدى الدهر. فخذ نفسك على فطرتها، واقنع بها كما وهبها الله لك بجمالها وعيوبها، فهي الهدية من الله، ولا يتذمر من هديته إلا الأحمق.
جاهد إن استطعت (وإنك لمستطيع) في التخلص من سوءات نفسك، فذلك هو الجهاد حقًا، وتجمل بتمثلك كافة القيم الإنسانية الفاضلة، وارحم وتعطف وتسامح، فأنت حقًا خليفة الله.
واطلب لنفسك مكانًا في ملكوت الله الكبير، ولا تقلل من شأن ذاتك ولا تبخس من قدر نفسك، فأنت أيها الإنسان ملك الأنواع، وقدرك عند الله كبير.